اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
ليس أشدّ على الإنسان من أن يفقد عزيزًا عليه، ففي لحظات الفقد يحتاج إلى من يواسيه، ويخفّف عنه ألم المصاب، ويقف إلى جانبه بكلمة طيبة ودعاء صادق وموقف إنساني نبيل. لكن بعض العادات الاجتماعية التي ارتبطت بالعزاء تحوّلت، مع مرور الزمن، من مظاهر للتكافل والتراحم إلى أعباء نفسية ومالية تثقل كاهل الأسر المفجوعة.
أولًا: الأثر النفسي على أهل المتوفى
إن الأسرة التي فقدت أحد أفرادها تكون في حالة من الحزن والاضطراب النفسي، وتحتاج إلى الوقت والهدوء لاستيعاب الفقد والتعامل مع مشاعرها. لكن إقامة الولائم قد تضيف إلى حزنها مسؤوليات جديدة، منها:
• تحويل الحزن إلى انشغال بالضيافة: بدلًا من أن يتفرغ أهل المتوفى لاستقبال المواساة والتعامل مع مصابهم، يجدون أنفسهم منشغلين بإعداد الطعام وتنظيم الولائم ومتابعة احتياجات الضيوف.
• الشعور بالواجب الاجتماعي: قد تشعر الأسرة بأنها مطالبة بتقديم الطعام لكل من يحضر، حتى لو كانت غير قادرة ماليًا أو نفسيًا على ذلك.
• الخوف من كلام الناس: قد يخشى أهل المتوفى أن يُقال إنهم قصّروا في واجب الضيافة، أو أن عزاءهم لم يكن بمستوى ما اعتاده المجتمع.
• استمرار الضغط بعد انتهاء العزاء: قد تنتهي أيام العزاء، لكن آثار الإرهاق النفسي والديون والمصاريف تبقى، فتتحول ذكرى الفقد إلى تجربة مرتبطة أيضًا بالضغط والمعاناة.
وهكذا، قد يجد أهل المتوفى أنفسهم مضطرين إلى إرضاء المجتمع في الوقت الذي هم فيه أحوج ما يكونون إلى مواساته.
ثانيًا: الأثر المالي على الأسرة والمجتمع
لا تتوقف تكلفة الولائم عند ثمن الطعام، بل تشمل الذبائح والأرز والمشروبات والحلويات وأدوات الضيافة، فضلًا عن أجور الطهي والخدمة وغيرها من النفقات.
وتزداد المشكلة عندما تتحول الوليمة من تصرف اختياري إلى التزام اجتماعي يشعر الناس بالخجل من عدم الوفاء به، أو عندما تضطر أسرة محدودة الدخل إلى الاقتراض حتى لا تبدو مقصّرة أمام الآخرين.
ولا يعني ذلك أن كل إنفاق على الطعام هدرٌ للمال؛ فإكرام الضيف قيمة اجتماعية محمودة. لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل من الحكمة أن تتحمل الأسرة المفجوعة هذه النفقات، بينما يمكن للمجتمع أن يخفف عنها بدلًا من أن يزيد أعباءها؟
ثالثًا: المفارقة الاجتماعية
تظهر المفارقة حين يأتي الناس إلى بيت العزاء لمواساة الأسرة، ثم تصبح الأسرة نفسها مسؤولة عن إطعامهم وخدمتهم.
فبدلًا من أن يكون المجتمع سندًا للمصاب، قد تتحول الأسرة إلى مضيف مطالب بإرضاء الجميع. وبدلًا من أن يتنافس الناس في تخفيف العبء عنها، قد تتنافس بعض الأسر في حجم الولائم ومظاهر الضيافة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نقيس صدق المواساة بما نقدمه من طعام، أم بما نقدمه من رحمة ومساندة؟
إن قيمة العزاء لا تُقاس بعدد الذبائح، ولا بحجم الموائد، ولا بكثرة أصناف الطعام، بل بصدق المشاعر، وحضور من يخفف الألم، والوقوف إلى جانب الأسرة عندما تنفضّ المجالس ويعود كل إنسان إلى بيته.
رابعًا: كيف يمكن معالجة هذه الظاهرة؟
إن معالجة هذه العادة لا تكون بالتجريح في المجتمع أو التقليل من شأن تقاليده، بل بإحياء المعنى الأصيل للتكافل الاجتماعي، من خلال خطوات عملية:
• تخفيف الولائم أو الاستغناء عنها: بحيث لا يشعر أهل المتوفى بأن إعداد الطعام واجب لا بد منه.
• مساعدة أهل المتوفى بدلًا من تحميلهم الأعباء: من خلال مبادرات الأقارب والجيران لإعداد الطعام للأسرة نفسها وتوفير احتياجاتها.
• ترسيخ ثقافة عدم المبالغة: فلا يُلام من يكتفي باستقبال المعزّين دون إقامة الولائم، ولا يُقاس كرمه بحجم ما ينفقه.
• تقديم الدعم للأسر محدودة الدخل: فالأولى أن تُوجَّه أموال المجتمع إلى من يحتاجها، بدلًا من إنفاقها تحت ضغط المجاملة الاجتماعية.
• توظيف العادات في خدمة الإنسان: بالإبقاء على الاجتماع والمواساة والدعاء، مع التخلي عن المظاهر المكلفة التي لا يحتاج إليها أهل المصاب.
وفي السياق الإسلامي، ورد عن النبي ﷺ أنه قال بشأن آل جعفر بعد وفاته: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد أتاهم ما يشغلهم». وهو توجيه يحمل معنى إنسانيًا واضحًا: أن يُقدَّم الطعام لأهل المصاب تخفيفًا عنهم، لا أن يُحمَّلوا همّ إعداد الطعام للآخرين.
خاتمة: أيّ مجتمع نريد؟
إن المجتمعات لا تُقاس بعاداتها وحدها، بل بقدرتها على مراجعة عاداتها حين تصبح عبئًا على الإنسان الذي وُجدت أصلًا لخدمته.
ليس المطلوب أن نتخلى عن كرمنا، ولا أن نغلق أبوابنا في وجه المعزّين، بل أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن ندرك أن الإنسان في لحظات الفقد يحتاج إلى قلب يواسيه، ويد تساعده، ومال يحفظ كرامته إذا ضاقت به الظروف.
فما جدوى أن نواسي أسرةً في فقيدها، ثم نتركها تواجه بعد أيام العزاء فاتورةً ماليةً لم تكن بحاجة إليها؟
لعلّ أصدق صور التكافل أن نخرج من بيت العزاء وقد خففنا عن أهله حزنًا، أو قضينا لهم حاجة، أو ساعدناهم في شأن من شؤون حياتهم؛ لا أن نكون قد أضفنا إلى مصابهم التزامًا جديدًا.
العزاء مواساة، وليس وليمة. والكرم أن ترفع عن المفجوع عبئًا، لا أن تضع على كتفيه عبئًا آخر.












































