اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ أيار ٢٠٢٦
فهد الأحمري
عادت إلى الواجهة مجددا مظاهر المضاربة العلنية في أسواق الوهم، مدفوعة بموجة تنديد واسعة أشعلها تقلد أحد مشاهير السوشال ميديا شهادة دكتوراه عن بعد من جامعة غير معتمدة.
هذا الحدث لا يمثل سلوكا فرديا معزولا، بل يترجم تهافتا محموما في الفضاء الرقمي على اقتناء الألقاب الأكاديمية، مدفوعا بشغف استعراضي سطحي يختزل القيمة المعرفية والإنسانية والإنجاز الحقيقي كله في بريق حرف الدال قبل الاسم.
إنه هوس الوجاهة الاجتماعية في عصر بات يعنى بالصورة على حساب الأصل، ويقدس الأغلفة البراقة، ويهمل المضامين الجادة، متحولا إلى سوق مفتوحة لبيع الوهم المعرفي وشراء المكانة المزيفة.
والمفارقة الأشد قتامة في هذا المشهد، لا تقف عند حدود ركض هؤلاء خلف سراب الوجاهة والشهادات الكرتونية، بل في تلك المباركة العلنية والتهنئات المتبادلة التي يسبغها بعض رموز المجتمع ومشاهيره على هذا العبث. هؤلاء يمارسون دورا تسويقيا مضللا يمنح الأوراق المشتراة شرعية مجتمعية زائفة، ويحولون التزوير المعرفي إلى محتوى استهلاكي قابل للتداول والاحتفاء.
وفي هذا المناخ السائل، تختلط المعايير، وتتشوه القدوة، ويصبح الجهل المقنّع بحرف الدال سلطة تمارس التوجيه والفتوى في شؤون الوعي العام، ما يشيع ثقافة الاستسهال، ويضرب قيم الجدارة والكفاءة في مقتل.
هذا الابتذال الفكري يشكل إحباطا صامتا وإهانة بالغة للعلماء الحقيقيين والباحثين الجادين الذين قضوا أوقاتهم في البحوث، يتوسدون الصبر، ويقاسون شروط التحكيم الصارمة ومراجعات الأقران المضنية لتقديم معرفة رصينة تخدم التنمية.
شتان بين من ينحت في صخر العلم لسنوات؛ ليصنع أثرا حقيقيا، وبين من يشتري حرفا ميتا ببطاقة ائتمانية في بضع دقائق ليمارس به استعلاء أجوف على منصات التواصل.
فالعلم حرم مقدس لا يجوز أن تستباح أسواره، أو يعرض في مزادات الكسب السريع وتضخيم الذوات الضامرة. وهنا يبدو ضروريا فك هذا الاشتباك؛ فعلى صناع المحتوى الاستهلاكي ومشاهير الإعلانات أن ينأوا بأنفسهم عن أسوار الحرم الأكاديمي، وأن يتركوا شؤون العلم وأقدار المعرفة لأهلها الحقيقيين.. إذ يلزمهم حصر نشاطهم في مساحات الإعلان والتسويق اليومي، والاعتراف بحدود تأثيرهم بعيدا عن اقتحام ميادين الفكر، وتحويل المنصات المعرفية إلى مسرح لزيادة الأرقام وحصد التفاعل الأعمى؛ فالنجاح الرقمي، وصناعة المشاهدات لا يمنحان صاحبهما صكا بالأهلية العلمية، ولا يشرعان له القفز فوق التخصصات الدقيقة.
بصيرة:
حماية الوعي العام من التلوث الفكري، وصون قيمة الجهد الأكاديمي الذي بذله الباحثون الجادون، ضرورة وطنية قصوى لحماية الكفاءة الحقيقية من طغيان التزييف، وضمان ألا يرتفع صوت الوهم فوق صوت الحقيقة في وطن يطمح لبناء نهضته على قواعد صلبة من العلم، والشفافية، والاستحقاق.










































