اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ١١ أب ٢٠٢٦
ييحتفل العالم باليوم العالمي للأسد، وهو المناسبة التي تذكرنا بالمكانة الاستثنائية التي احتلها هذا الكائن المفترس في الوجدان الإنساني؛ إذ لطالما ارتبطت صورة الحاكم في العالم القديم بالقدرة على الشجاعة وتجسيد الحماية، بحسب الرجل.
ولم تكن رياضة 'صيد الأسود' لدى الملوك مجرد نشاط ترفيهي أو استعراض عابر للشغف، بل كانت طقسًا ملكيًا وسياسيًا ضاربًا في عمق تاريخ بلاد الرافدين منذ ما قبل عام 3000 قبل الميلاد.
أصبح اقتناص الكاسر المفترس رمزًا أسمى للسيادة الآشورية، حتى إن الخاتم الملكي الرسمي للمملكة تمحور حول هيئة الملك وهو يصرع أسدًا ثائرًا، في إشارة صريحة إلى أن اعتلاء العرش يتطلب ذراعًا قادرة على كسر شوكة أعتى قوى الطبيعة.
تجسيد المهارة والبسالة في أروقة القصور
حرص الملوك الآشوريون على تخليد بطولاتهم في الميدان عبر أشرطة برونزية ونقوش حجرية مذهلة زُينت بها جدران القصور والأنصبة التذكارية. وتتجسد أبهى صور هذا الفن في جداريات قصر الملك 'آشور ناصربال الثاني' في مدينة نمرود، وقصر الملك 'آشور بانيبال' في نينوى.
وتظهر هذه المنحوتات الملك وهو يطارد الأسود الشرسة من على متن عربته الحربية، أو ممتطيًا جواده، أو حتى مترجلاً يواجه الوحش وجهًا لوجه مستخدمًا القوس والسيف.
لم تكن تلك المشاهد الدقيقة مجرد توثيق لمهارة الرماية والفروسية التي يتلقاها الأمير أثناء إعداده العسكري، بل كانت رسالة موجهة للرعايا والوفود الأجنبية تُبرز الملك في صورة البطل الذي لا يُقهر.
السيطرة على الفوضى وبسط النظام
كان المفهوم الفلسفي للكون لدى الآشوريين يقسم العالم إلى نطاقين: مركز حضري منظم ينعم بالسلام والرخاء تحت ظل حكم الملك، ومحيط بري متمرد تكتنفه الفوضى والأخطار وتجسده الأسود التي تهاجم الرعاة وتقطع الطرق.
ومن هنا، لم يكن القضاء على الأسود مجرد تنظيم للبيئة، بل كان واجبًا مقدسًا يُثبت من خلاله الملك قدرته على دحر 'قوى الفوضى'. مثل انتصار الملك على الأسد برهانًا ساطعًا على أهليته لدور 'الراعي' المكلف بحماية رعيته وصيانة حدود المملكة من أي تهديد خارجي.
استعراض مسرحي ومناسك دينية مقدسة
رغم أن النصوص الملكية صورَت هذه المواجهات وكأنها ملاحم خطيرة في قلب الصحراء، إلا أن الأدلة الأثرية تؤكد أن صيد الأسود في عهد 'آشور بانيبال' تحول إلى استعراض مسرحي منظم بدقة داخل متنزهات ملكية شاسعة تشبه الحلبات الرومانية.
وتُظهر الجداريات إطلاق الأسود المأسورة من أقفاص خاصة وسط حراسة مشددة من المشاة والكلاب المدربة لضمان عدم هروبها، بينما يحتشد عامة الشعب على التلال المجاورة لمتابعة هذا المشهد المهيب.
ولم تكن الرحلة تكتمل بموت المفترس، بل تتوج ببراعة بطقوس احتفالية حاسمة يقدم فيها الملك القرابين فوق أجساد الأسود الصريعة، إجلالاً وتعبيداً لنصره ومكانته. وبذلك، امتزجت الهيبة بالسياسة، والرياضة بالعقيدة، ليظل صيد الأسود إحدى أبرز أدوات الشرعية الملكية وإظهار القوة في التاريخ القديم.













































