اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣٠ أذار ٢٠٢٦
ما بدأ كجهود شخصية للدفاع عن الأقارب تحول تدريجاً إلى حركة احتجاجية أوسع نطاقاً
يقف يوسف الشواشي في أحد شوارع العاصمة تونس ممسكاً بصورة والده المسجون غازي الشواشي في احتجاج ضد الرئيس قيس سعيد، مردداً شعار 'تونس سجن كبير'.
قبل بضع سنوات لم يكن هذا المهندس البالغ من العمر 35 سنة ناشطاً بصورة مكثفة في تظاهرات كهذه. فعلى رغم أن والده غازي الشواشي يعد واحداً من أبرز شخصيات المعارضة في تونس، لم يكن يوسف منخرطاً بصورة لافتة في السياسة.
أما اليوم فيقف يوسف مع عديد من العائلات الأخرى في طليعة الاحتجاجات في الشارع، مطالبين لا فقط بإطلاق سراح أقاربهم السجناء، بل أيضاً بـ'استعادة الديمقراطية والحرية لكل التونسيين'.
مثل عشرات من أسر قادة المعارضة ونشطاء المجتمع المدني الذين سجنوا أو اضطروا إلى العيش في الخارج، يجد يوسف نفسه مضطراً إلى ملء الفراغ السياسي الذي خلفته ما تقول المعارضة إنه حملة قمع واسعة منذ أن حل الرئيس قيس سعيد البرلمان وبدأ الحكم بالمراسيم قبل خمس سنوات.
وحكم العام الماضي على الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي غازي الشواشي بالسجن 20 عاماً بتهم تتعلق بالتآمر، وهي تهمة تقول المعارضة إنها ملفقة، لينضم إلى قائمة متزايدة من شخصيات بارزة من كل التيارات السياسية في البلاد من الإسلاميين إلى العلمانيين.
يقول منتقدون إن حملة واسعة أدت إلى تفكيك المعارضة وزجت بعدد من قادة الأحزاب وراء القضبان. في المقابل تؤكد السلطات أن الملاحقات القضائية، بما في ذلك تهم مثل التآمر ضد أمن الدولة وغسل الأموال والفساد المالي، تستند إلى القانون، وتقول إن القضاء مستقل.
ويقبع في السجن عدد من قادة أحزاب معارضة، من بينهم رئيس حزب النهضة الإسلامي راشد الغنوشي، وزعيمة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، وزعيم الحزب الجمهوري عصام الشابي، إضافة إلى رئيس حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري لطفي المرايحي.
وسُجن السياسي المخضرم نجيب الشابي، إضافة إلى قيادات معارضة بارزة من بينها شيماء عيسى وجوهر بن مبارك ورضا بلحاج ونور الدين البحيري بتهمة التآمر.
وبات الأبناء والأزواج وأقارب آخرون، وقد وحدتهم تجربة الفقد والغياب، ينظمون أنفسهم ليشكلوا قوة معارضة متزايدة الحضور.
وما بدأ كجهود شخصية للدفاع عن الأقارب المعتقلين، يتحول تدريجاً إلى حركة احتجاجية أوسع نطاقاً.
يقول يوسف الشواشي 'الاعتقالات أفرزت طبقة سياسية جديدة داخل العائلات وخلقت ديناميكية جديدة'.
ويضيف لـ'رويترز'، 'نحن الآن من ينظم الاحتجاجات، ويوجد في الصفوف الأمامية للتظاهرات ويضع نفسه في الواجهة. لم نختر هذا الدور، ولكننا مجبرون على خوضه'.
وعلى رغم أن تحركاتها لا تزال محدودة، تصر العائلات على أنها تسعى إلى مراكمة الزخم وكسر حاجز الخوف في إطار مغامرة سياسية تجد نفسها مرغمة على خوضها للنهاية.
ويرى البعض أنها بداية لخطوات أكثر جدوى وفاعلية في إطار ما تقول المعارضة ونشطاء المجتمع المدني إنه سعى إلى إحياء التجربة الديمقراطية في تونس، والتي اعتبرت لسنوات المثال الوحيد الناجح لثورات 'الربيع العربي' قبل نحو 15 عاماً.
يقول يوسف 'ربما ما نقوم به ليس كافياً بعد. لكن إذا توحدنا وواصلنا الجهد يمكننا بناء شيء'.
وتقول العائلات إنها تجد تعاطفاً متزايداً.
وأكد الرئيس قيس سعيد مراراً أنه بصدد تطهير البلاد ممن وصفهم بالفاسدين والخونة، مضيفاً أن لا أحد فوق القانون مهما كان اسمه أو منصبه. وحل سعيد المجلس الأعلى للقضاء وعزل عشرات القضاة في خطوة تقول جماعات حقوقية إنها تقوض استقلالية القضاء.
تنظم عائلات السجناء من مختلف التيارات اجتماعات دورية إلى جانب احتجاجات في الشوارع، وتحركات أمام المحاكم والسجون، وهي أماكن أصبحت مركزية في نشاطهم.
وفي الأشهر الأخيرة قادت عائلة المحامي البارز أحمد صواب مع نشطاء آخرين احتجاجات حاشدة جذبت إليها الآلاف، قبل الإفراج عنه الشهر الماضي عقب حكم استئنافي. ومثل عديد من أفراد عائلات المعارضين يشارك ابن المعارضة البارزة شيماء عيسى المحكوم عليها بالسجن 20 سنة في احتجاجات خارج البلاد أو داخلها، ومن بينها تحركات أمام السجن.
لكن بالنسبة إلى هذه الأسر، فإن كلفة شخصية باهظة تدفعها بينما يقبع أقاربهم خلف القضبان.
فعائلة الشابي تعتبر أن كارثة قد حلت بها مع سجن اثنين من أفرادها هما الأخوان المعارضان نجيب وعصام الشابي.
تقول فائزة راهم، زوجة عصام الشابي، إن الاعتقالات قلبت حياة العائلة رأساً على عقب، إذ أصبحت المكالمات التي كانت تخصص للتخطيط للسفر أو اللقاءات العائلية تتحول إلى نقاش حول مواعيد زيارة السجون وما يجب إحضاره من طعام لأقاربهم المعتقلين.
وتضيف أن غياب قادة المعارضة بعد الزج بهم في السجون دفعها مع آخرين إلى إنشاء رابطة للدفاع عن السجناء السياسيين وسجناء الرأي وتنظيم المسيرات.
وعلى رغم أن عائلة الشابي عرفت طويلاً بمعارضتها لقادة تونس السابقين، بمن فيهم الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، لم يكن كل أفراد العائلة مهتمين بالسياسة.
لكن اعتقال الأخوين نجيب وعصام جعل الأمر مختلفاً تماماً ودفع بهم لمعترك ساحة النضال السياسي.
تقول فائزة زوجة عصام 'لم يكن الجميع في العائلة ناشطين سياسياً، لكن الظلم أجبرنا الآن على فعل ذلك'.
وأشارت إلى أن هذه التجربة القاسية قربت عائلات السجناء بمختلف انتماءاتهم السياسية 'لم نعد ننظر إلى الانتماءات السياسية. الظلم وحدنا'.
وواجه عدد من أفراد العائلات الأخرى ملاحقات قضائية. فقد حكم أخيراً على المحامية دليلة بن مبارك، شقيقة القيادي في جبهة الخلاص جوهر بن مبارك المسجون بتهم التآمر، غيابياً بالسجن 15 يوماً بسبب حديثها في التلفزيون عن القضية التي صدر فيها قرار آنذاك بمنع التداول الإعلامي.
تقدم عائلة الشواشي مثالاً آخر أكثر حدة وقسوة على المعاناة اليومية التي تعيشها.
يجد إلياس نجل غازي الشواشي نفسه مجبراً على البقاء في الخارج، ويواجه أحكاماً بالسجن تزيد على 70 عاماً بسبب انتقادات لاذعة لسعيد وللقضاة على 'فيسبوك' عقب اعتقال والده. ووجهت له تهم عدة منها ما يتعلق بالإرهاب والتحريض على القضاة، وهي تهم ينفيها بشدة ويقول إنها ملفقة وتهدف لإسكات صوته.
في الخارج، يمثل إلياس جبهة أخرى من هذه المعارضة الناشئة، إذ لجأ، وهو المقيم في فرنسا، إلى الحديث عن مواقفه عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم شكاوى لمنظمات دولية والدعوة إلى التظاهر في تونس والخارج.
يقول إلياس لـ'رويترز' من فرنسا، حيث يقيم 'كان بإمكاني أن أصمت وأعيش حياة طبيعية، أو أزور بلدي ووالدي خلال العطلات، لكنني اخترت طريقاً آخر، أن أكون صوتاً لمن لا صوت لهم'.
وقد تركت هذه الغيابات منزل عائلة الشواشي في ضاحية الزهراء قرب تونس العاصمة هادئاً على نحو موحش. فبعدما كان البيت يعج بالنقاشات قبل سنوات قليلة، بدا عديد من المقاعد على مائدة الطعام فارغاً خلال شهر رمضان. وكانت صور غازي تملأ أرجاء المنزل.
يقول ابنه يوسف 'عائلتنا اليوم مشتتة. كنا قريبين جداً من بعضنا، أما الآن فوالدي في السجن وأخي في المنفى'.
سكن كل شيء في بيت العائلة، إلا في المطبخ حيث كانت الزوجة صوفية بن عاقلة تعد بعناية وجبة تكفي لأسبوع كامل وتضعها في علب بلاستيكية، لتأخذها إلى السجن حيث يقبع زوجها.
هذا الوضع لم يكن ليخطر على بال أي من أفراد العائلة قبل سنوات قليلة. يتحدث يوسف بمرارة 'لم نتخيل يوماً بعد 2011 أننا سنعود إلى هذا الوضع. يبدو وكأن الثورة لم تحدث قط'.

























