اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ٢١ كانون الثاني ٢٠٢٦
التعليم والحوكمة: حين يصبح السؤال أكبر من المدرسة #عاجل
كتب زياد فرحان المجالي
ليست أزمة التعليم في عالمنا العربي مجرد شكوى متكررة من ضعف المناهج أو تراجع مستوى الطلبة. فالقضية أعمق من ذلك بكثير، لأنها تمسّ العلاقة الحسّاسة بين 'المعرفة” و”القرار”، وبين المدرسة بوصفها مصنعًا للمستقبل، والسلطة بوصفها إدارة لهذا المستقبل. ومن هنا تأتي أهمية النقاشات التي تتكرر على منصات التواصل حول سؤال جوهري: هل نُنتج تعليمًا يفتح العقول… أم تعليمًا يضبطها؟
هذا السؤال لا ينبغي أن يُقرأ بعاطفة أو غضب، بل بواقعية وإرادة إصلاح. لأن الخطورة لا تكمن فقط في تراجع التحصيل العلمي، بل في النتائج المتراكمة التي تظهر لاحقًا في سوق العمل، وفي الإدارة العامة، وفي شكل الطبقات المهنية، وفي نمط التفكير السائد داخل المجتمع.
تعليمٌ ينجح في الامتحان… ويخفق في الحياة
أكثر ما يثير القلق اليوم هو أن كثيرًا من النظم التعليمية أصبحت تقيس النجاح بـ”الدرجة” لا بـ”المهارة”. فتتجه العملية التعليمية – دون قصد أحيانًا – إلى تكريس الحفظ كوسيلة أساسية للنجاح، وإلى اعتبار الامتحان غاية، وليس أداة قياس.
وهنا يحدث الانفصال الكبير بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاجه فعليًا في الحياة. فالشهادة تزداد أهمية، لكنها لا تضمن القدرة على حل المشكلات، ولا تؤهل العقل للتفكير النقدي، ولا تمنح الخريج مهارات التواصل والعمل الجماعي والبحث. وهكذا قد ينتهي الأمر إلى مفارقة مؤلمة: أعداد كبيرة من المتفوقين أكاديميًا، يقابلها ضعف ملحوظ في الإنتاجية والابتكار.
ليس هذا تقليلًا من قيمة التعليم أو من مكانة الشهادات، بل هو دعوة لإعادة تعريف التعليم باعتباره منظومة لبناء الإنسان، لا مجرد طريق للحصول على وظيفة.
من المدرسة إلى المجتمع: حين ينتقل الخلل
المشكلة لا تتوقف داخل جدران الصف. فالطالب الذي يتدرب على 'الحفظ دون سؤال” غالبًا ما يكبر في بيئة تفضّل السمع والطاعة على الحوار، وتخاف النقد أكثر مما تخاف الجهل. هذا النمط – عندما يتحول إلى ثقافة عامة – يُضعف قدرة المجتمعات على التجدد، لأن التجدد يبدأ من القدرة على السؤال.
وحين يغيب السؤال، تتراجع المبادرة، ويقلّ الإبداع، وتنخفض الجرأة على تطوير المؤسسات. لذلك فإن أزمة التعليم قد تكون في جوهرها أزمة عقل اجتماعي عام، لا أزمة مادة دراسية فقط.
الحكم الرشيد جزء من أزمة التعليم… والتعليم جزء من أزمة الحكم
من أكبر الأخطاء أن نفصل بين جودة التعليم وجودة الحوكمة. فالمنظومات التي تكافئ الكفاءة وتحمي العدالة وتضمن تكافؤ الفرص، تنتج تعليمًا أفضل تلقائيًا لأن المجتمع نفسه يطلب معيارًا واضحًا للنجاح: الاستحقاق.
أما عندما تنتشر ثقافة 'المحاباة” أو 'الولاءات” أو 'المسارات غير الشفافة”، فإن رسالة المدرسة تتشوّه: لا يعود النجاح مرتبطًا بالجدارة وحدها، بل يتحول في وعي الطالب إلى لعبة احتمالات تُحسم أحيانًا بعوامل خارج التعليم.
هنا تتراجع قيمة 'التعب”، ويبدأ الإحباط. والمقلق أكثر أن الإحباط لا يبقى في دائرة الفرد، بل يصبح تربة خصبة لنمو التطرف الاجتماعي أو الانكفاء أو السخرية من كل قيمة إصلاحية.
الحل ليس في جلد الذات… بل في هندسة إصلاح واقعي
التعليم ليس قضية خطابية، ولا يصلحه الحنين للماضي، ولا تنقذه حملات موسمية. الإصلاح الحقيقي يبدأ من تحديد أهداف دقيقة، ووضع مؤشرات قياس صارمة، ثم متابعة التنفيذ.
ويمكن تلخيص بوابات الإصلاح الأكثر أهمية في أربع نقاط:
1) إصلاح الامتحانات: من قياس الحفظ إلى قياس الفهم
ما دام الامتحان يكافئ الاستظهار، سيظل الطالب يذاكر بالطريقة نفسها. لذلك فإن أي مشروع إصلاحي لا يبدأ من إعادة تصميم آليات التقييم سيبقى مشروعًا ناقصًا.
يجب أن تتحول الاختبارات تدريجيًا إلى قياس للفهم والتحليل وحل المشكلات، بحيث يصبح النجاح ثمرة 'عقل منتج”، لا ذاكرة مؤقتة.
2) رفع مكانة المعلم: تدريبًا وتمكينًا ومسؤولية
لا تعليم بلا معلم قوي. المعلم يحتاج إلى تدريب محترف متواصل، ومناهج مرنة تساعده على الشرح لا على التلقين، ونظام تقييم عادل يحفظ هيبته ويعالج ضعفه.
كما يحتاج إلى بيئة مدرسية تضمن انضباطًا يحمي العملية التعليمية دون تحويل المدرسة إلى مؤسسة عقابية.
3) ربط التعليم بمهارات السوق لا بوهم الوظيفة
سوق العمل لم يعد يقيس الإنسان بما يحفظه بل بما يستطيع إنتاجه. لذلك فإن إدخال المشاريع العملية، وتطوير التعليم المهني، وإتاحة تدريب حقيقي للطلاب، أصبح ضرورة لا ترفًا.
كما يجب أن تُبنى العلاقة بين الجامعات والقطاع الخاص على أساس شراكة في بناء المهارات، لا على أساس شعارات عامة.
4) مكافحة المحاباة وإغلاق أبواب 'المسار السهل”
من أهم ما يعيد للتعليم قيمته هو أن يشعر الطالب أن المجتمع يكافئ الاستحقاق. عندما يرى الشاب أن العمل والجهد يصنعان مستقبلًا، سيقاتل علميًا من أجل النجاح.
لكن حين يعتقد أن القرار محجوز لمن يملك علاقات لا لمن يملك كفاءة، يصبح التعليم عبئًا بلا معنى.
هنا تتقاطع الإصلاحات التعليمية مع الإصلاح الإداري والسياسي: شفافية التعيين، عدالة الفرص، ترسيخ مبدأ أن الوظيفة العامة مسؤولية لا غنيمة.
مؤشرات النجاح: كيف نعرف أننا نسير في الاتجاه الصحيح؟
الإصلاح الحقيقي يجب أن يُقاس. ومن أهم المؤشرات التي يمكن مراقبتها:
تحسن ملموس في مهارات القراءة والفهم والتحليل لدى الطلبة
انخفاض نسب الدروس الخصوصية كدليل على تحسن المدرسة
ارتفاع نسبة التوظيف الفعلي للخريجين في تخصصاتهم
زيادة إنتاج المشاريع الطلابية والابتكارات
ارتفاع مؤشرات الثقة في العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص
هذه المؤشرات ليست ترفًا إحصائيًا؛ إنها لغة العصر في الإدارة: ما لا يُقاس لا يُدار، وما لا يُدار لا يُصلح.
الخلاصة
ليس المطلوب أن نغضب من التعليم، ولا أن نحاكمه كأنه وحده سبب الأزمات. المطلوب أن نعترف أن التعليم مرآة المجتمع، وأن المجتمع يعيد إنتاج نفسه عبر المدرسة والجامعة.
إذا أردنا تعليمًا قويًا، فعلينا أن نبني منظومة تعترف بالكفاءة وتكافئها، وتفتح أبواب المستقبل على الاستحقاق لا على الوساطة، وعلى المعرفة لا على الشكل.
فالتعليم حين يكون عادلًا ومهنيًا، لا يصنع شهادات فقط… بل يصنع دولًا قادرة على الحياة.












































