اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
د.سعود المريشد
تظل الصحافة المؤسسية حصناً متيناً لحماية الرأي العام من السيل الهائل للمعلومات المضطربة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتقاذف المتلقي أمواج من الضجيج والتحريف والتفاهة الرقمية التي تعتمد على جلب التفاعل والإثارة العابرة وتغييب الوعي؛ أن جوهر الصحافة التقليدية لا يكمن في نقل الخبر، فهذا ميدان أضحى متاحاً للجميع عبر وسائل ومنصات عدة، بل في امتلاك القدرة على تفكيك وتحليل ونقد الحدث والمجريات والخبر، ووضعهم في السياق الوطني الرصين، لتشكل المؤسسة الصحفية مرجعية معرفية موثوقة تمنح المجتمع قدرة على التمييز بين الحقائق والمهنية، وبين السطحية والتضليل الذي تعج بهما فضاءات منصات التواصل الاجتماعي.
غير أنه ليس بخاف أن المؤسسات الصحفية تواجه تحديات هيكلية ومالية، لكن لا يزال لديها الفرصة في تسريع المواكبة الرقمية والمحافظة على دورها كمنتج للمحتوى المهني والنوعي؛ فبينما مثلاً تتلاشى اليوم أهمية الورق كفرصة ذهبية لتقليص المصروفات التشغيلية، إلا أن الكثير من المؤسسات لا تزال تتعامل مع التحول الرقمي كخيار ثانوي وليس كاستراتيجية وجود؛ فالمواكبة الرقمية اليوم ليست مجرد نقل المحتوى إلى شاشات الهواتف، بل هي إعادة ابتكار لطريقة تقديم التحليل والمعرفة، والنشر عبر منصات تفاعلية تستخدم أدوات العصر لترسيخ خطاب وطني عميق لا يكتفي بالسرعة، بل يراهن على الرزانة في عالم يغرق في التسطيح؛ كما يجب على هذه المؤسسات استعادة صدارة المشهد الإعلامي من خلال استقطاب الكفاءات القادرة على صياغة الطرح الموضوعي والتحليل الرصين للأحداث السياسية والتحولات الاقتصادية والقضايا الاجتماعية، لأن تراجعها عن هذا الدور يضعف المناعة الوطنية ضد مواجهة الشائعات والشعبوية، ويخلق فراغاً يملؤه غير المتخصصين الذين يفتقرون للأدوات المنهجية في الطرح المهني والالتزام الأخلاقي الذي يراعي مصلحة الوطن وتوازنه في التعبير الموضوعي والنقد البناء عن القضايا الجوهرية.
إن استعادة ريادة المشهد الإعلامي تستوجب تجاوز الاعتماد على الإرث التاريخي، والتركيز على الاستقطاب النوعي للكوادر الإعلامية التي تدرك تقاطعات التقنية مع المحتوى ومقتضيات طبيعة العصر، وهو ما يقتضي ابتكار نماذج عمل مرنة تزاوج بين سرعة التقنية وعمق المضمون؛ فالتقنية تظل أداة صماء ما لم تحركها ملكات فكرية وخبرات متمرسة تمتلك ناصية السبق الصحفي، والتحقيقات الجريئة، والمقالات التحليلية المعمقة؛ ولهذا نقول تبرز الحاجة لاستثمار الموارد الموفرة في بناء غرف أخبار رقمية متطورة وتواكب الحدث، وتعتمد على عقول إبداعية قادرة على تحويل التحليل الرصين إلى منتج رقمي جاذب؛ وبهذه الطريقة، تتحول الصحيفة من كيان مثقل بالتكاليف إلى منصة مرنة، تملك الثقل المعرفي والرزانة الإعلامية والانتشار التقني، لتظل هي الصوت الأصيل الذي يشكل الرأي العام ويحمي مصالح الوطن ووعي مجتمعه من عبثية الغثاء الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي.










































