اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ أذار ٢٠٢٦
محمد آيت لعميم *
يعلن الشاعر مخلص الصغير في ديوانه «الأرض الموبوءة»، منذ البدء، انتسابه إلى النصوص الكونية. ولا تخطئ العين ذلك التناص الواضح والحوار المفتوح مع القصيدة الشهيرة «الأرض الخراب» للشاعر ت. س. إليوت؛ تلك القصيدة التي رصدت أهوال العالم بعد الحرب، وجاءت مفككة في شكلها وبنائها لتعكس، على نحو تناظري، تفكك العالم نفسه. ومن هذه الزاوية، يبدو ديوان مخلص الصغير وكأنه يُكتب بعد مرور مئة عام على «الأرض الخراب»، لا ليكررها، بل ليحاورها من داخل مأساة أخرى.
يحتفي ديوان «الأرض الموبوءة» بهذا النص الخالد، وفي الوقت نفسه يفتح أفقًا للتأمل في المأساة التي أحدقت بالعالم أثناء الوباء الكوني، «كورونا». وبهذا المعنى، يأتي الديوان في لحظة مفصلية لمقاومة النسيان، واستعادة اللحظة التراجيدية للوباء استعادة شعرية؛ ذلك الوباء المكتنف بالأسرار، الذي كاد أن يعصف بالوجود البشري، وأسقط ورقة التوت عن هشاشة الإنسان الوجودية.
في قصيدة «الأرض الموبوءة»، وفي ظل احتمالية انقراض الجنس البشري، تعود بنا القصيدة إلى زمن البدايات، فتستحضر بدء الموت في هيئة القتل، وظهور الغراب بوصفه معلمًا لأول دفن في الذاكرة الإنسانية. غير أن الجثث هنا لم تعد فردية، بل صارت جماعية. هكذا يستدعي متخيل القصيدة لحظة مأساوية أولى، كأن مصير البشرية منذور، منذ البدء، لهذا الامتحان القاسي.
ونلاحظ أن الشاعر لم يؤجل القبض على اللحظة، ولم يترك حرارة الحدث تخبو، بل أمسك بجمره وهو ما يزال ملتهبًا، كما يقول:
لعله الشعر / ما كتبته ولعًا
لعله الجمر / ما قد أحرق الورقا
فالكتابة عن الحدث سيف ذو حدين: إما أن تُسقط الشاعر في تقريرية باردة لا تتجاوز تحصيل الحاصل، وإما أن يستثمر الحدث شعريًا، فيخرجه من زمنه الضيق إلى أفق أوسع يجعل منه لحظة قابلة للدوام. وهذا ما نلمسه في قصيدة مخلص الصغير؛ إذ لم يتوقف عند الحدث بوصفه واقعة عابرة، بل حوّله إلى لحظة أبدية يتأمل من خلالها المصائر البشرية المهددة في كل حين. ومن هنا يمكن القول إن الديوان، على الرغم من تنوع قصائده، يتمحور حول موضوعة مركزية ترد إليها اختلافاته الظاهرة، هي مأساة البشر، جماعيًا وفرديًا، في مواجهة الفناء، ومحاولة استدراج هذه المأساة إلى فضاء الشعر لاستخلاص أسئلة كونية منها.
وقد اعتمد الشاعر في بناء قصيدته على شبكة من الاستعارات انحبكت حول العناصر الأربعة للوجود: الماء، والهواء، والنار، والتراب. وهي العناصر نفسها التي اعتمدتها «الأرض الخراب» في تشييد معمارها النصي. ففي مقطع التراب، تبدو الأرض عند إليوت أرضًا واطئة يابسة، موحشة، أقرب إلى الحضيض منها إلى الخصب. وفي مقطع الماء، يطل الموت من خلال الغرق والتحلل، وفي مقطع النار تتجلى القوة المدمرة في صور الاحتراق والتشظي، أما الهواء فيتحول إلى فضاء يضج بالنواح والانفجار والتداعي.
غير أن هذه العناصر، على ما تنطوي عليه من طاقات متعارضة تجمع بين الخير والشر، تنحاز في ديوان «الأرض الموبوءة» إلى جانبها الهدام، حتى تلائم الموضوعة المركزية التي تدور عليها قصائد الديوان، وهي موضوعة الموت والخراب وما يتصل بهما من صور ومجالات. يقول الشاعر:
هذا التراب ينادي الطالعين من الأرض / ينادينا
واحدًا واحدًا / لأنّا من تراب
والماء يغرق النازحين، والهاربين من الأرض
فالأرض، الأرض خراب / والنار يا سارق النار / تلقمنا
والهواء من قسوة الوباء يختنق
لقد تمكنت مخيلة الشاعر من استنفار مقومات الوجود كلها، لتجعل منها قوى تحاصر الكائن البشري وتكشف هشاشته كلما واجه هادم الحياة واللذات.
وتسترسل القصيدة في حشد لحظات مفصلية من تاريخ الأوبئة، في أفق تذكيرنا بأن الوباء صديق عتيق للإنسان. وبما أن الشعر لا يحب الخطية المباشرة، فإن النص يستحضر أوديب، الذي دخل المدينة قبل الطاعون وهو يحمل في قدميه المتورمتين علامة المصير، لأنه في العمق سبب البلاء الذي حل بالمدينة عقابًا على خطيئة لا تُغتفر. وهنا يتخذ الموت في المدينة صورة المنادي، أو «البراح» بلغتنا الدارجة، الذي يعلن لزوم البيوت، وإغلاق الأبواب، والابتعاد عن الأجساد: لا قبل، ولا عناق، بل صمت وكمامات وضيق يلامس الاختناق.
وفي منطق الشعر، تتداعى القصيدة من كلمة إلى أخرى، ومن إشارة إلى أخرى، حتى تستدعي، مع لزوم البيت، أبا العلاء المعري، ثم ابن الوردي الذي كتب في الوباء، وكأن الذاكرة العربية كلها تُستدعى لتشهد على هذا الخراب. يقول الشاعر:
ماذا يفعل الكوفيد في المعرّة؟
يسأل ابن الوردي
وهل كان هؤلاء الأبرياء
في حاجة إلى الوباء
لكي ينسحقوا
تحت الأنقاض
ثم تنعطف القصيدة إلى استحضار آدم، بعد أن أكل الوباء تفاحته، وظلت في حلقه علامة على خطيئة قديمة. وليس استحضار آدم هنا إلا إشارة إلى احتمال انقراض الجنس البشري المرموز إليه بالأب الأول. أما الأبناء، فمن هول المشهد، فإنهم يكملون الطريق في موكب الموت الجماعي، يدفن بعضهم بعضًا، ولا عزاء في «كرنفال الموت الجماعي». وفي هذا المشهد القيامي يقول:
الكل يمضي
على وهل
ويفزع من ظله
في الطرقات المقفرة
ولا يكتمل الخيال المرعب في القصيدة إلا بعودة العناصر الأربعة التي تأسست عليها الحياة، وقد تحولت إلى عناصر معادية: التراب يستقبل جحافل الموتى، والهواء مختنق، والطوفان يحاصر المدينة، في استحضار لطوفان نوح، الذي لا عاصم منه إلا من رحم الله. وحتى الجبل، الذي يُفترض أن يكون ملاذًا، لم يعد قادرًا على رد الماء، لأنه هو الآخر مهدد بانفجار النار:
الطوفان يحضن المدينة
والجبل الذي كان واردًا أن نأوي إليه
يتضرم الآن من على فوهة بركان
بأوامر من تنين ليكسوس
ومن خلال هذه المقاطع، يتبين أن القصيدة محتشدة بإحالات نصية أسطورية ودينية وشعرية؛ فكأن كل هذه المدونات مدعوة إلى فك شفرة الوباء، ذلك الذي عجزت عنه البلاغة نفسها، أو عجزت عن إيجاد وصفة أو تأويل نهائي له. وتظل صورة المعري، التي تمر في أحداث القصيدة، بارزة من خلال استدعاء تأملاته في الموت والكوارث المحدقة بالوجود. فهو الذي نظر إلى الأرض على أنها عجينة من رفات الموتى، ودعا إلى تخفيف الوطء عليها:
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
وهو الذي استشعر الطوفان العظيم في صرخته الأليمة:
والأرض للطوفان مشتاقة
لعلها من درن تغسل
كما أن إحالة الشاعر إلى الدفن الجماعي على شريعة الغربان، من دون عزاء، تلمح إلى ذلك المصير المحتوم الذي تتوالى فيه الجنائز، حتى يصير الأواخر سائرين على جماجم الأوائل. وهنا يحضر المتنبي بقوة في خلفية المشهد:
يدفن بعضنا بعضًا ويمشي
أواخرنا على هام الأوائل
ولم تكتف قصائد الديوان بالتفاعل مع وباء كورونا، بل امتدت إلى أحداث أخرى حبست أنفاس العالم، مثل مأساة سقوط الطفل ريان في قعر البئر، وهي الحادثة التي تفاعل معها العالم بأسره. وقد حاولت القصيدة أن تمسك بالأسباب العميقة لهذا التفاعل الكوني، فتحول الطفل إلى رمز، بل إلى أسطورة صغيرة تحمل في داخلها إمكان النجاة من موت مختنق. فالشعور الجمعي بالاختناق الذي عاشه العالم زمن الجائحة وجد صداه في صورة الطفل العالق بين الظلام والتراب:
في البئر
أم في دموع الناس
قد غرقا؟
فعاش منتظرًا
ومات مختنقًا
وهذا السقوط في قعر البئر ليس سقوطًا فرديًا، بل استعارة لسقوط جماعي؛ فالطفل لم يسقط وحده، وإنما سقط معه وجدان العالم كله:
لقد
سقطت
قلوبنا
وهوى
الجميع
منسحقًا
هذا الإحساس الجمعي بالسقوط، وهذا العجز أمام قسوة الطبيعة، أدخلا العالم في رهاب الهاوية:
فالعالم الآن
في رعب
وفي قلق
والكون
بالدمع والأحزان
قد شرقًا
وفي هذا المقطع الأخير، الضاج بصدى المتنبي، نلمح مهارة الشاعر في التفاعل مع التراث الشعري من أجل صناعة استعارته الخاصة. فالقلق يحيل إلى البيت الشهير: «على قلق كأن الريح تحتي»، كما أن خاتمة المقطع تستدعي صورة المتنبي في قوله: «شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي». بل إن المتنبي يبدو متخفيًا في سراديب هذه النصوص كلها، وخصوصًا في تلك التي تحدثت عن الاختناق بوصفه الصورة الأشد إيلامًا للموت، وهو القائل:
إلف هذا الهواء أوقع في
الأنفس أن الحمام مر المذاق
وتحوم عناوين النصوص في الديوان حول هذه الموضوعة المركزية بوضوح لافت: «لا شيء في الأرض إن غابت الزهور»، و«الأرض الموبوءة»، و«ريان»، و«قصيدة الغضب»، و«إلى أين؟»، و«قتلناك خوفًا عليك من الغرق»، و«أشعار عاجلة». وحتى القصيدة التي خص بها الشاعر مدينة تطوان، ودخلها من أبوابها وعدّد تلك الأبواب، فإنه، بحكم البنية العميقة المهيمنة على الديوان، يختمها بالهبوط إلى الأمكنة السفلية المؤدية في النهاية إلى باب المقابر. وهكذا تظل موضوعة الموت مخيمة على العالم المتخيل في الديوان، بكل تلاوينها وأسبابها، وقد تعددت الأسباب والموت واحد.
إن ديوان «الأرض الموبوءة» أمعن في الإنصات إلى زمننا الراهن المثخن بالمآسي والجراح، وأمسك بجوهر اللحظة، متخيرًا لها نصوصًا قوية من الذاكرة الشعرية تتقاسم جميعها المأساة البشرية، التي تعددت مظاهرها بين ما هو خارج عن قدرة الإنسان، وما هو من صنع توحشه، مثل الحروب الطاحنة والخراب الكبير الذي تخلفه في الشعوب، وأقسى ذلك كله خراب الروح.
وقد استطاع الشاعر أن يقدم هذه التراجيديات عبر لغة مجازية واستعارية، تتخللها نصوص راسخة من ذاكرة الشعر، في أسلوب سهل ممتنع، واضح في بنائه، عميق في دلالاته، وممتع في أثره.










































