اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٩ أيلول ٢٠٢٦
د. إبراهيم النحاس
إن حُسن اختيار القيادات في الجامعات، وحُسن استقطاب أعضاء هيئة التدريس، واحترام الطلاب والطالبات، وتطوير المنهجية الدراسية، تعتبر ركائز أساسية لتقدم وتطور وتميز الدول المتطلعة للمستقبل، وأهدافًا استراتيجية للمجتمعات الطموحة للوصول لمصاف الدول الصناعية والتقنية والتكنولوجية..
إذا كان التعليم العام أساس لتنمية المجتمعات، وعامل رئيس لنقلها من المستويات البسيطة والبدائية إلى مستويات جيدة من التنمية التي توفر للإنسان والمجتمع حياة كريمة في كل المجالات، فإن التعليم العالي –الجامعات– يعتبر أساسا لتقدم وتطور وتميز المجتمعات، وعاملا رئيسا لنقلها من المستويات التنموية البسيطة إلى مستويات متميزة في جميع المجالات التي ترتقي بمكانة المجتمع والدولة لمصاف المجتمعات المتقدمة علمياً وفكرياً واقتصادياً وصناعياً وتقنياً وتكنولوجياً، ولمصاف الدول الرائدة في مجالات العلوم الحاسوبية والالكترونية والفضائية الحديثة.
وهذا القول بأهمية التعليم العالي –الجامعات– في تقدم وتطور المجتمعات، وتميزها عن غيرها من المجتمعات البسيطة والبدائية، أثبتته أحداث التاريخ البعيد والقريب. نعم، فالمجتمعات الأوروبية التي كانت متخلفة تنموياً في العصور الوسطى بسبب إهمالها للتعليم الحديث، وابتعادها عن البحث العلمي، تمكنت من إعادة بناء إنسانها ومجتمعاتها ودولها عندما قررت الاهتمام بالتعليم على جميع مستوياته العلمية والفكرية في بدايات القرن السادس عشر 1500م، مما مكنها من مغادرة عصور الظلام، لتبدأ رحلتها نحو عصر العلم والتنوير الذي مكنها من التقدم العلمي والفكري والاقتصادي والصناعي حتى تميزت عن غيرها من المجتمعات. وفي مقابل هذا النموذج الأوروبي، كانت المجتمعات الإسلامية، مُنذُ بدايات تأسيسها بالمدينة المنورة، متقدمة ومتطورة عندما كانت متميزة في المجالات العلمية والفكرية مما مكنها من قيادة المجتمعات والأمم على مدى أحد عشر قرناً متتالية، إلا أنها فقدت تدريجياً تلك القيادة العالمية، في نهايات القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر 1500م، عندما تراجع اهتمامها بالعلم والعلماء، والفكر والمفكرين، والبحث العلمي والباحثين، حتى أصبحت تعاني علمياً وفكرياً واقتصادياً وصناعياً وتقنياً وفي كثير من المجالات الرئيسية لتقدم وتطور الإنسان والمجتمع والدولة.
نعم، إن التعليم بشكل عام، والتعليم العالي –الجامعات– بشكل خاص، يلعبان دوراً رئيسياً في تقدم وتطور وتميز المجتمعات حتى تصبح في مصاف الدول الرائدة على جميع المتسويات الدولية. ولتتمكن الجامعات من تحقيق هذه الرؤى الوطنية في المجتمعات، وذلك التميز الذي يجعلها رائدة على المستويات الدولية، يلزم العمل على: 1) وجود قيادات جامعية تؤمن إيماناً يقينياً بأهمية التعليم كأساس لتقدم وتطور وتنمية المجتمع..
2) وجود قيادات جامعية مُؤهلة تأهيلاً فكرياً وعلمياً مما يُمكنها من وضع خُطط رصينة هدفها تقدم وتطور المجتمع..
3) وجود قيادات جامعية تملك رؤية عميقة ومتكاملة للأهداف المستقبلية التي يتطلع المجتمع لتحقيقها والوصول إليها..
4) وجود قيادات جامعية مؤهلة تأهيلاً إدارياً مما يمكنها من اختيار القيادات العلمية والفكرية والإدارية على أسس واضحة ومبنية على التميز والإنجاز والإبداع والانضباط السلوكي والقانوني..
5) وجود قيادات جامعية تؤمن إيماناً يقينياً بأهمية الاستثمار الصحيح والسليم بالموارد البشرية بالجامعة –أكاديميين وطلاب وطالبات وإداريين وفنيين– حتى يتمكنوا من المساهمة الإيجابية في بناء وتطوير وتقدم مجتمعهم..
6) وجود قيادات جامعية تملك الخبرة الطويلة، والإنجاز المتميز، والتجارب الثرية، في المجالات العلمية والفكرية والإدارية والفنية، مما يمكنها من اختصار الوقت لتحقيق النجاحات المطلوبة..
7) وجود قيادات جامعية مؤهلة وحريصة وقادرة على تعيين واستقطاب أعضاء هيئة تدريس وباحثين، على درجة عالية من النزاهة والتميز والتأهيل العلمي والفكري والأدبي والسلوكي والالتزام القانوني، حتى يستطيعوا المساهمة في تنشئة وبناء أجيال تحقق الأهداف السامية للمجتمع.
نعم، إن التقدم والتطور والتميز والمراتب الأولى التي تنشدها المجتمعات المتطلعة للمستقبل تتحقق عندما تُعين وتُكلف لقيادة الجامعات شخصيات مؤهلة تأهيلاً احترافياً في المجالات العلمية والفكرية والإدارية، وعندما يكون التميز والإنجاز والكفاءة هي الأساس للتكليف والتعيين. وهذه المعادلة الصلبة هي التي ارتقت بمكانة المجتمعات الأوروبية بعد عام 1500م، وهي التي ارتقت بمكانة الولايات المتحدة الأميركية بعد استقلالها عام 1776م، وهي التي ارتقت بمكانة اليابان بعد عام 1850م، وهي التي ارتقت بمكانة الصين بعد عام 1975م، وهي التي ارتقت بمكانة كوريا الجنوبية بعد عام 1980م، وهي التي سوف ترتقي بالمجتمعات المتطلعة لمصاف الدول المتميزة في المجالات الاقتصادية والصناعية والتقنية والتكنولوجية والحاسوبية والالكترونية.
وفي الختام، من الأهمية القول بأن حُسن اختيار القيادات في الجامعات، وحُسن استقطاب أعضاء هيئة التدريس، واحترام الطلاب والطالبات، وتطوير المنهجية الدراسية، تعتبر ركائز أساسية لتقدم وتطور وتميز الدول المتطلعة للمستقبل، وأهدافا استراتيجية للمجتمعات الطموحة للوصول لمصاف الدول الصناعية والتقنية والتكنولوجية. نعم، إن حُسن اختيار القيادات في الجامعات، وحُسن استقطاب أعضاء هيئة التدريس، والارتقاء بالعملية التعلمية، هو الذي يرتقي –عاماً بعد عام– بمكانة المجتمعات والدول حتى تُصبح، بكفاءة أبنائها، وتقدم إنتاجها، وتنوع صادراتها، في مصاف الدول المتقدمة والصناعية والتقنية والتكنولوجية، حيث تتميز وترتقي بالعمل والإنتاج، وليس بالتصنيفات الشكلية.










































