اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٩ أب ٢٠٢٦
د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
في الثلاثين من يوليو، أطلقت شركة ناشئة سعودية من الرياض تطبيقا للملاحة. كانت أغلب التغطيات تركز على ولادة منافس محلي جديد لخرائط جوجل، وهو ما اعتبره كثير من المتابعين فخرا وطنيا، وإضافة إلى رصيدنا من الاكتفاء التقني. ومع ما تحمله هذه القراءة من وجاهة، إلا أنها تغفل ما يستحق الانتباه له فعلا في تطبيق هدهد.
تطبيق هدهد هو الوجه الظاهر لعامين من بناء ما لا يرى عندما تستعرض واجهة المستخدم. ما تقدمه هدهد حقيقة هو المنظومة المعرفية المحلية التي تألفت منها. إذا نظرت ما دون السطح، ستجد بنية بيانات جيومكانية من الهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية، ملايين الصور الميدانية، خوارزميات التوجيه المكاني، ونموذج صوتي مضبوط على اللهجة السعودية. كل ذلك يجعل نقاش السيادة التقنية مختلفا عما اعتدنا عليه عندما نسأل أين بني البرنامج وأين استضيفت بياناته، وهو سؤال طالما ضلل المؤسسات مجردا من سياقه. فعندما أوقفت شركتان عالميتان عملياتهما في روسيا خلال أشهر في العام 2022، كانت البيانات مودعة في خوادم روسية، ولم يغير ذلك من الأمر شيئا، لأن قدرة التشغيل كانت في مكان آخر.
الاختبار الحقيقي ليس مرتبطا بالمكان الجغرافي أو الهوية، فهو أكثر تركيزا وأصعب استيفاء. ماذا لو اختفى المورد غدا، هل تستطيع المؤسسة أن تعيد بناء ما اعتمدت عليه؟ مكان الاستضافة تجيب عن السؤال الجغرافي. القدرة على إعادة الإنتاج تجيب عن سؤال القوة. لذلك يستحق الاهتمام بهدهد لأنه بني، على ما يبدو، للإجابة عن السؤال الثاني أكثر من الأول، فقد تراكمت المعرفة قبل أي اتفاقية حكومية دعمته لاحقا.
إذا تجاوزنا في هذه القراءة الميزات التي يستفيد منها المستخدم مباشرة، فلدى هدهد ميزات أوسع نطاقا. يوفر هدهد خدمة لإدارة الأساطيل بناء على حساب المسارات اللوجستية، وواجهات برمجية للمطورين مخصصة للاستخدام المؤسسي في النقل وإدارة الحشود والخدمات الحكومية. بناء على هذه الخدمات، لم يعد هدهد مجرد تطبيق ملاحة، لكنه طبقة تبنى عليها أنظمة أخرى. تتحول البرمجيات التي يراها المستخدم إلى بنية تحتية عندما تعتمد المؤسسات عليها لأداء وظائفها. هذا التحول يحدث تدريجيا ولا يرى أثره إلا بعد سنوات من التجذر الذي يؤدي إلى فشل في الترحيل.
ما إن يبدأ التطبيق في التوسع، ندخل في أفق جديد يحمل معه أسئلة غير مريحة. إذا وحدت الوزارات وشركات اللوجستيات والخدمات العامة اعتمادها على طبقة خرائط وطنية واحدة، باعتبارها بديلا عن تطبيقات عالمية أخرى، فإننا لم نلغ الاعتمادية، لكن نقلناها من مكان لآخر، من مورد أجنبي إلى مورد محلي. المسألة ليست في المكان إنما في تمركز الاعتماد، فأينما وجدت نقطة فشل واحدة فلن تصبح آمنة لأنها محلية.
المبدأ الذي ينطبق على البرمجيات الأجنبية ينطبق هنا أيضا: لا اعتمادية دون خطة للخروج. باجتياز هدهد للاختبار الأول الذي يحمل ثقلا معرفيا تنسى الصناعة عادة أن تطرحه، يبقى الاختبار الآخر الذي علينا طرحه الآن قبل أن يصبح التطبيق بنية تحتية. ذلك السؤال الأهم، وهو السؤال الذي لم يطرحه أحد بعد.










































