اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦
الرياض - الثقافي
تُشكّل مدينة دادان الأثرية واحدة من أبرز المحطات التاريخية في محافظة العُلا، وأحد أهم الاكتشافات الأثرية التي تسلط الضوء على عمق الحضور الإنساني والحضاري في شمال غرب شبه الجزيرة العربية. فقد لعبت دادان دورًا محوريًا في تاريخ المنطقة، بوصفها العاصمة التاريخية لمملكة دادان، قبل أن تصبح لاحقًا عاصمة لمملكة لحيان، خلال حقبة زمنية تمتد من أواخر القرن التاسع إلى أوائل القرن الأول قبل الميلاد، وهي فترة شهدت تحولات سياسية واقتصادية وثقافية لافتة في تاريخ الجزيرة العربية.
وتزخر المدينة بعدد من المعالم الأثرية البارزة التي تعكس تطور العمارة والفنون في تلك الحضارات القديمة، وفي مقدمتها المقابر المنحوتة بعناية في واجهات المنحدرات الصخرية الحمراء المحيطة بالموقع. وتتميّز بعض هذه المقابر بواجهات هندسية مستطيلة، تتوّجها منحوتات للأسود، في مشهد معماري يحمل دلالات رمزية وفنية، ويكشف عن مستوى متقدّم من الحرفية والإبداع الفني لدى سكان دادان، فضلًا عن قدرتهم على تطويع البيئة الصخرية القاسية لخدمة أغراضهم الجنائزية والدينية.
وقد شُيّدت مدينة دادان باستخدام الحجارة المحلية المتوفرة في محيطها الطبيعي، ما يعكس انسجام العمارة مع البيئة، ويؤكد وعي سكانها بمواردهم الطبيعية. ومع مرور الزمن، تحوّلت دادان إلى مركز حيوي للنشاطين الزراعي والتجاري، مستفيدة من موقعها الإستراتيجي على طريق البخور، أحد أهم شبكات التجارة القديمة في المنطقة، والذي ربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها، وفتح المجال أمام تواصل حضاري واسع مع مناطق وكيانات مختلفة. وأسهم هذا الموقع المحوري في ازدهار دادان اقتصاديًا، وجعلها محطة رئيسة لتبادل السلع والأفكار والمنتجات الثقافية بين حضارات متعددة.
وفي الوقت الحاضر، تتواصل في موقع دادان أعمال التنقيب الأثري التي ينفذها فريق متخصص من علماء الآثار، ضمن برامج بحثية ومنهجيات علمية دقيقة تُنفّذ عبر مراحل متتالية. وتهدف هذه الجهود إلى الكشف عن مزيد من تفاصيل تلك الفترة التاريخية المهمة، التي تعود جذور الاستيطان البشري فيها إلى أكثر من سبعة آلاف عام في محافظة العُلا. وقد أسفرت هذه الأعمال حتى اليوم عن اكتشاف عدد كبير من النقوش والكتابات الأثرية ذات القيمة العلمية العالية، التي تسهم في إعادة قراءة تاريخ المنطقة، وتوفير فهم أعمق لأنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية لسكان دادان عبر العصور.
ويضم الموقع الأثري في دادان معرضًا مخصصًا لاستقبال الزوار، يقدّم تجربة معرفية متكاملة تجمع بين العرض الأثري التقليدي والتقنيات الحديثة، حيث تُعرض قطع أثرية نادرة إلى جانب تصاميم رقمية توضيحية، وسرد قصصي يعرّف بتاريخ أهل دادان ومعالم مدينتهم، بأسلوب يثري تجربة الزائر ويعزز ارتباطه بالمكان، ويمنحه تصورًا حيًا عن طبيعة الحياة في تلك الحقبة التاريخية.
وتقف مدينة دادان الأثرية اليوم بوصفها متحفًا مفتوحًا في قلب العُلا، يجمع بين عبق التاريخ وروح الاكتشاف العلمي، ويعكس المكانة الحضارية للمحافظة باعتبارها إحدى أهم الحواضن التاريخية في الجزيرة العربية. كما تمثل دادان وجهة ثقافية عالمية تستقطب الباحثين والمهتمين بالتاريخ والآثار من مختلف أنحاء العالم، وتسهم في إبراز العُلا كموقع ذي قيمة إنسانية وحضارية استثنائية على خارطة التراث العالمي.










































