اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ حزيران ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
تشهد ساحة المؤسسات الأكاديمية ومراكز الفكر ظاهرة متزايدة تتمثل في التوسع بإنشاء ما يعرف بـ»مجالس استشارية دولية»، تضم نخباً عالمية، وتهدف في ظاهرها إلى تعزيز الحضور المعرفي ورفع كفاءة المؤسسات الوطنية؛ من حيث المبدأ، يمكن القول بوجود جوانب إيجابية في ذلك التوجه، لأن الانفتاح على التجارب العالمية ومواكبة معايير الجودة الدولية، واستقطاب أسماء وخبرات معروفة، كلها أدوات من شأنها منح هذه المؤسسات بريقاً تنافسياً يسهم في تسهيل عمليات الاعتماد والانتشار والتأثير؛ فالاستفادة من الخبرات الأجنبية قد يفتح آفاقاً للابتكار، ويخرج بتلك المؤسسات من ضيق الرؤية الأحادية في عالم مترابط اليوم.
غير أن هذا التوجه قد يخفي في طياته خللاً يثير القلق، إذ إن التحول في الاعتماد على الأجنبي كبديل عن الاستثمار في العقول الوطنية والاستفادة من خبراتها المتراكمة، قد يؤدي إلى تهميش الصوت المحلي؛ فحين نرى مثلاً جامعة وطنية تشكل مجلساً استشارياً من أحد عشر عضواً، لا يمثل المواطن فيه سوى مقعد واحد، في مغالطة غير مقنعة وتعكس تغليب البريق الشكلي على العمق الوطني؛ إن عدم الاستعانة بالخبراء المحليين سواء متقاعدين أو خلاف ذلك، والذين يحملون عصارة عقود من العمل، مقابل البحث عن أسماء دولية لا تعرف تفرد ثقافة بيئتنا الإدارية، يعد تفريطاً في رأس مال معرفي لا يمكن تعويضه؛ فهذا التوجه يضعنا في حالة انفصال عن واقعنا، حين تطرح حلول وتوصيات عالمية براقة، لكنها تصطدم بجدار عدم تماهيها مع الواقع المحلي، لافتقارها إلى الفهم العميق للنظم الوطنية والأعراف الإدارية والثقافة المحلية.
إن الجدوى الحقيقية لأي مجلس استشاري دولي لا تقاس بمدى عالمية أعضائه، بل بمدى قدرتهم على ملامسة تحدياتنا الحقيقية واقتراح الحلول التي تتحول من مجرد نظريات إلى نتائج ملموسة، وتحدث فارقاً جوهرياً في واقعنا، وتدفع مسيرة تطورنا نحو المستقبل بخطوات واثقة وعملية؛ فالمؤسسات الوطنية الناجحة هي التي تعتمد على قدراتها المحلية، أو على الأقل تتبنى نموذجاً هجيناً ومتوازناً في مجالسها الاستشارية، يوفق بين الانفتاح على التجربة الدولية وبين تعظيم دور الخبرات الوطنية وإبرازها، لقدرتها على قراءة واقعنا، وفهم أعرافنا الإدارية، وإدراك ما يصلح لبيئتنا؛ فبدلاً من أن تتحول هذه المجالس إلى واجهات شرفية يغيب عنها الصوت الوطني، يجب أن تبنى هذه المجالس الاستشارية على شراكة حقيقية تدمج بين الأدوات العالمية وفهم الخصوصية الوطنية؛ ولهذا نقول: إن استعادة الاعتبار للخبرات الوطنية المتراكمة وإشراكها في صناعة الرؤية الاستشارية ليسا مجرد واجب ووفاء وطني، بل هما صمام أمان لضمان أن تظل بوصلة التطوير موجهة نحو مصلحتنا التنموية، بعيداً عن التبعية المعرفية أو الحضور الصوري.










































