اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أيلول ٢٠٢٦
أ.د. فهد مطلق العتيبي
تُعدّ الأمثال الشعبية من أصدق صور الحكمة التي خلّفتها الأجيال السابقة، فهي عبارات قصيرة تحمل تجارب طويلة، وتلخّص مواقف إنسانية متكررة بلغة بسيطة قريبة من القلب. وقد نشأت هذه الأمثال من واقع الناس، فعبّرت عن أفراحهم وأحزانهم، ونجاحاتهم وإخفاقاتهم، وعلاقاتهم بالأسرة والمجتمع والعمل والحياة.. إلخ.
وتكمن قيمة الأمثال الشعبية في قدرتها على نقل الخبرة من جيل إلى آخر. فبدل أن يروي الإنسان قصة طويلة ليشرح موقفًا أو يقدم نصيحة، يكفي أحيانًا أن يستشهد بمثل معروف، فيفهم السامع المعنى بسرعة ووضوح. ومن أمثلة ذلك قولهم: 'من جدّ وجد'، وهو مثل يشجع على الاجتهاد والمثابرة، أو 'الصديق وقت الضيق'، الذي يبرز أهمية الصداقة الحقيقية في أوقات الشدة. كما تؤدي الأمثال دورًا مهمًا في حفظ الهوية الثقافية. فهي تحمل الكثير من مفردات البيئة المحلية وصورها وأساليب التفكير السائدة فيها، ولذلك تمثل جزءًا من الذاكرة الجمعية للمجتمع. ومن خلال دراسة الأمثال، يستطيع الباحث أن يتعرف إلى قيم الناس وعاداتهم ونظرتهم إلى العمل والكرم والشجاعة والصبر. ولهذا فإن الأمثال ليست مجرد عبارات متداولة، بل وثائق ثقافية تحفظ ملامح الماضي وتربطه بالحاضر.
وتتميز الأمثال أيضًا بقدرتها على التأثير والإقناع؛ لأنها تعتمد على الإيجاز والإيقاع والصورة البلاغية. فالمثل الجميل يثبت في الذاكرة، ويُستدعى بسهولة عند الحاجة. وقد يستخدمه المعلم لتوضيح فكرة، أو الوالد لتقديم نصيحة، أو الكاتب لإضفاء قوة على حديثه. كما تسهم الأمثال في إثراء اللغة، إذ تمنحها تنوعًا وحيوية، وتكشف جمال التعبير الشعبي وعمقه.. ولكن ينبغي التعامل مع الأمثال بوعي، فبعضها نشأ في ظروف قديمة، وقد لا يناسب الاستحضار في كل مواقف العصر الحديث.. لذلك من المهم فهم دلالتها وسياقها، والاستفادة من حكمتها دون قبول كل ما تحمله من أفكار بصورة مطلقة.. ومع ذلك، تظل الأمثال الشعبية كنزًا لغويًا وثقافيًا، لأنها تختصر تجارب الإنسان وتمنحنا دروسًا قابلة للتأمل.. ولو نظرنا إليها بتمعن لوجدناها صوت الأجداد في حياتنا المعاصرة، وجسرا يصل الماضي بالحاضر، ويؤكد أن الحكمة قد تكون قصيرة في كلماتها، لكنها عميقة في معناها، وباقية في أثرها.










































