اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٠ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - الفكرة تبدأ من مفارقة واضحة في أخبار الساعات الأخيرة: الأردن في الخارج يتعامل مع اعتداءات صاروخية إيرانية، ويؤكد أن أمنه وأمن الخليج مترابطان، ويتحرك دبلوماسياً تجاه سوريا وفلسطين والاستيطان؛ وفي الداخل تتحدث الحكومة عن فرص اقتصادية ومشاريع استراتيجية واستثمارات جديدة.
وهنا يمكن أن تكون الافتتاحية مختلفة في بنائها: لا مقالاً حول سؤال واحد، وإنما سبع نقاط ساخنة نقول فيها رأينا بوضوح.
أولاً: الأردن وإيران.. لا نريد الحرب ولكن الصبر ليس ضعفاً. الموقف الأردني يجب ألا يحتاج إلى تأويل: المملكة ليست طرفاً في الحرب الأميركية–الإيرانية، لكنها أيضاً ليست ممراً للصواريخ ولا ساحة لتصفية الحسابات. وبعد تكرار الاعتداءات، بدأ النقاش الأردني نفسه ينتقل من سؤال «كيف نعترض الصاروخ؟» إلى «كيف نمنع تكراره؟».
والنقطة التي نضع تحتها خطاً: من حق الأردن ألا يريد الحرب، ومن حقه في الوقت نفسه ألا يسمح لأحد بأن يفسر تجنبه للحرب باعتباره قبولاً بالاعتداء.
ثانياً: أمن الخليج ليس شعاراً دبلوماسياً. رئيس مجلس النواب قال أمس بوضوح إن أمن الأردن ودول الخليج «كل لا يتجزأ». وهذه ليست مجاملة للسعودية أو الإمارات أو غيرهما؛ فأمن الطاقة والتجارة والاستثمار والجاليات الأردنية وحركة الطيران مرتبطة مباشرة باستقرار الخليج. الأردن لديه مصلحة وطنية، قبل أي اعتبار آخر، في ألا تتحول المنطقة الخليجية إلى ساحة حرب مفتوحة.
ثالثاً: إسرائيل.. معاهدة السلام لا تعني الصمت على ما يهدد الأردن. الأردن يتحرك ضد الاستيطان، ورحب مع دول أخرى بقرار بريطانيا حظر استيراد منتجات المستوطنات، وفي الوقت نفسه أدان دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى جبل الشيخ في سوريا. هنا يجب أن يكون الموقف واضحاً: علاقة الدولة بإسرائيل شيء، وقبول سياسات إسرائيل شيء آخر. وكل ما يمس مستقبل الضفة والقدس والتهجير ليس ملفاً فلسطينياً بعيداً؛ إنه ملف أمن وطني أردني.
رابعاً: سوريا.. ربما آن الأوان للانتقال من إدارة الخطر إلى صناعة المصلحة. وزير الخارجية نقل تحيات الملك إلى الرئيس السوري، بالتزامن مع موقف أردني رافض للتحركات الإسرائيلية في الأراضي السورية. الأردن دفع لسنوات كلفة الفوضى السورية: حدود، مخدرات، تهريب، لاجئون، وتراجع تجارة. وإذا كانت سوريا تدخل مرحلة مختلفة، فمن حق الأردن أن يكون من أوائل المستفيدين من استقرارها اقتصادياً وسياسياً، لا أن يترك الآخرين يرسمون شكل سوريا الجديدة ثم يدخل متأخراً.
خامساً: الحكومة تقول إن الفرص أصبحت أكبر من التحديات.. ممتاز، لكن المواطن يريد رؤية الفرصة لا سماع اسمها. رئيس الوزراء جعفر حسان قال إن المؤشرات الاقتصادية إيجابية، وتحدث عن الناقل الوطني وسكة حديد العقبة–الشيدية/معان وميناء معان–العقبة البري وغاز الريشة، وعن استثمارات ومشاريع كبرى.
هنا لا نريد مهاجمة الحكومة ولا التصفيق لها.
نقول ببساطة: المشروع الكبير يصبح إنجازاً شعبياً عندما يصل أثره إلى الراتب والوظيفة والدخل والمحافظة والبيت.
المواطن لا يعيش داخل مؤشر اقتصادي. يريد أن يعرف: متى ستتحول هذه المشاريع إلى فرصة عمل؟ ومتى يشعر بتحسن الدخل؟ ومتى تنخفض كلفة حياته؟ وهذه هي المسافة التي ينبغي للحكومة أن تقطعها بين «المؤشر الإيجابي» و«الشعور الإيجابي».
سادساً: الحكومة تعرض عامين من عملها.. ومن حق المواطن أن يعرض عامين من تجربته معها. الحكومة أطلقت حملة «عامان من العمل.. من الرؤية إلى الواقع»، وقالت إنها ستعرض نتائج عملها وانعكاساتها على المواطنين، وستتيح لهم المشاركة بآرائهم وتجاربهم وأسئلتهم.
وهذه فرصة ممتازة إذا أخذنا الفكرة حتى نهايتها.
لا نريد فقط أن تقول الوزارة ماذا أنجزت.
نريد أن يقول المواطن أيضاً ماذا تغير.
الحكومة تعرض أرقامها، والمواطن يعرض تجربته.
ثم نقارن الاثنين.
هكذا تصبح المساءلة أكثر عدلاً من المديح وأكثر فائدة من جلد الذات.
سابعاً: وسط كل هذا، الجبهة الداخلية ليست بنداً أخيراً. رئيس مجلس النواب شدد أمس على الوحدة الوطنية وتماسك الجبهة الداخلية، فيما برز في الخطاب الرسمي أيضاً التأكيد على أن المعلومة المهنية جزء من إدارة الأزمات ومواجهة التضليل.
وهنا نربطها بافتتاحيتنا السابقة: الوحدة الوطنية لا تعني أن نتوقف عن السؤال عن الأسعار والبطالة والخدمات والفساد وأداء الحكومة.
بالعكس.
الدولة التي تسمح لمواطنها بأن ينتقدها هي الدولة التي يثق بها عندما تطلب منه أن يقف معها.
ومن هنا تأتي الخاتمة التي أراها مناسبة لهذا النوع من الافتتاحيات:
الأردن اليوم لا يعيش قضية واحدة.
هناك صاروخ في السماء.
وحرب في الإقليم.
واستيطان إلى الغرب.
وسوريا تتغير شمالاً.
وخليج يخشى اتساع المواجهة.
وفي الداخل مواطن يريد وظيفة ودخلاً أفضل ومياهاً وخدمة وقراراً حكومياً يشعر بنتيجته.
ولا يجوز أن نجعل واحداً من هذه الملفات يلغي الآخر.
لا نقول للمواطن: اصمت عن همومك لأن الوطن يواجه خطراً.
ولا نقول للدولة: انشغلي بالأسعار واتركي ما يجري حول الحدود.
الدولة مطالبة بالاثنين.
تحمي حدودها وتصلح داخلها.
ترد على الاعتداء وتبحث عن السلام.
تدافع عن فلسطين وتحمي مصالح الأردن.
تساند أشقاءها ولا تدخل حروبهم.
تجلب الاستثمار وتسأل أين وصل أثره إلى المواطن.
هذه ليست تناقضات.
هذه هي السياسة.
وربما تكون أهم نقطة نضعها على الحروف اليوم:
الأردن القوي في الخارج يحتاج إلى مواطن مطمئن في الداخل.. والمواطن المطمئن في الداخل يحتاج إلى دولة قوية في الخارج.
وهكذا يصبح عنوان «بين ثوابت الموقف الأردني وهموم الداخل» مظلة ممتازة لافتتاحية أسبوعية أو دورية عندكم، وليس مجرد عنوان لليوم؛ كل مرة نختار 5–7 ملفات ساخنة ونقول فيها موقفاً مختصراً وواضحاً بلا دوران.












































