اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ تموز ٢٠٢٦
د. نجوى الكحلوت
لا يقف تعريف الحرف في اللغة عند قولنا صوت يُبنى منه الكلام، ولا مجرد رمزٍ صغيرٍ تتشكل منه الكلمات، إنه كيانٌ لغوي يحمل من الدلالات ما يتجاوز صورته البسيطة، فالحرف هو طرف الشيء وحدُّه، وحرف الجبل جانبه، وحرف الوادي شفيره، وكل ما كان على غير وسطٍ قيل إنه على حرف.
ولعل هذا المعنى المكاني هو أكثر المعاني قدرةً على كشف بعد من أبعاد اللفظ القرآني؛ فالواقف على حرف الجبل وقوفاً لا يُنبِئ باستقرار، فالحافة تسمح له بالتراجع أكثر مما تسمح له بالتقدم، خطوةٌ واحدة قد تنقله من الثبات إلى السقوط.
ومن هذا الأصل الدلالي تتسع مساحة التأمل، فالحرف في الكتابة أساس الكلمة، والكلمة أساس المعنى، والمعنى أساس الفهم، غير أن الحرف في موضع آخر يصبح نقيض الرسوخ؛ إذ يدل على الحافة والحد الفاصل بين الثبات والاضطراب.
ومن هنا، يأتي التعبير القرآني المدهش: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ). الحج:11، لم يرد اللفظ: على شك، ولا على تردد، ولا على ضعف إيمان، مع أن هذه المعاني حاضرة في السياق. جاء التعبير بلفظ (حرف) لأنه يرسم صورةً كاملة قبل أن يؤدي معنىً مجردًا، صورة عبادة مهزوزة لإنسان يقف على الطرف لا في وسطه، تزعزعه الأهواء ولا يصل اليقين إلى قلبه البتة.
ثم يفسر السياق السبب لهذه الصورة المتزعزعة: (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ). الحج:11، إنها عبادة المقايضة؛ علاقة مشروطة بنتائج عاجلة، يُقدَّم فيها الإيمان بوصفه وسيلةً لا غاية، وطريقًا إلى المكاسب لا موقفًا من الحق. فإذا جاءت الأرباح بقي صاحبها في مكانه، وإذا تأخرت المكاسب انكفأ وسقط.
وفي هذا تتجلى عبقرية اللفظ القرآني؛ فالمقايضة لا تحتاج إلى إعلان، يكفي أن يكون المرء واقفًا على الحافة، فالذي يستقر في الوسط يحتمل الرياح، أما الذي يقف على الطرف فإن أول هزة تكشف حقيقة موقعه.
وحين نتأمل أحوال الناس نجد أن العبادة على حرف لا تقتصر على صورة الكفر والإيمان، بل تمتد إلى كثير من المواقف الإنسانية، فمن يعمل الخير ما دام يجد التقدير، أو يصل رحمه ما دام يحصد المقابل، أو يبذل ما دام العائد حاضرًا، فإنه يقترب من منطق الحافة؛ منطق العلاقة المشروطة التي تنتظر الثمن قبل أن تواصل الطريق.
أما الإيمان الراسخ، فإذعان وثقة بالله وليس عقد مقايضة، صاحبه يعلم أن الله يُعبد لأنه الخالق، مالك الملك سبحانه، لا لأن الظروف جاءت كما يريد، ولا لأن الطريق خلا من الابتلاء. ولذلك كان الثبات ثمرة اليقين، وكان اليقين انتقالًا من الحرف إلى القلب، ومن الحافة إلى المركز، فيأتي التسليم لحكمة المعطي أو لمنعه.
ولعل السؤال الذي تتركه الآية في النفس ليس: هل نعبد الله؟ وإنما: من أي موضع نعبده؟ من قلب الطريق أم من حافته؟ من مقام الثقة أم منطق المقايضة؟ فالمسافة بين الحرف والرسوخ ليست مسافة مكان، وإنما مسافة يقين.










































