اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٣ أب ٢٠٢٦
عمان - السوسنة - لم يعد تشتت الذهن مجرد هفوة ناتجة عن الإرهاق أو عارض جانبي نمر به خلال اليوم، بل تحول إلى سلوك متجذر يوجه تفاصيل حياتنا المعاصرة، تبدأ الحكاية بنظرة خاطفة على إحدى منصات التواصل، لتتحول سريعًا إلى تنقل لا يتوقف بين عشرات النوافذ المفتوحة، حتى يجد الفرد نفسه غير قادر على إتمام قراءة مقال قصير أو قراءة صفحة كتاب دون أن تغلبه رغبة حارقة في تفقد شاشة هاتفه المحمول.
هذا النمط الذي يستنزف تركيزنا لم يأتي عفو الخاطر، بل يمثل إعادة تشكيل شاملة للبنية الفكرية للإنسان، وكان الباحث والكاتب الأمريكي 'نيكولاس كار' قد قرع ناقوس الخطر في أطروحته الفكرية الشهيرة حين تساءل: 'هل تجعلنا محركات البحث أكثر غباء؟'، مؤكدًا أن الوسائل التي نعتمد عليها لبناء المعرفة تؤثر فينا بقدر تأثير المعرفة ذاتها، وأن الوسائط الرقمية ليست مجرد أدوات سلبية لنقل البيانات، بل هي مشكل رئيسي لطريقة بناء أفكارنا وآليات تحليلنا للواقع.
من التفكير العميق إلى النظرة الخاطفة.. كيف تتأثر عقولنا؟
كشف الباحثين في علوم الأعصاب أن المخ البشري يتمتع بخاصية تُعرف بـ 'المرونة العصبية'، وهي القدرة الوظيفية على التأقلم وإعادة هيكلة المسارات الذهنية وفقا للأنشطة اليومية المعتادة، وحين يعتاد العقل على معالجة جرعات متواصلة من المادة الرقمية القصيرة والإشعارات المتلاحقة، فإنه يبني شبكات عصبية تميل بطبيعتها إلى التعامل السطحي والاستجابة اللحظية المباشرة.
ويرى الخبراء أن هذا التصفح الدائم يحفز المخ على البحث المستمر عن المكافآت الفورية من خلال إفراز مادة 'الدوبامين' مع كل معلومة خاطفة يتم التقاطها، وهو ما يلقي بظلاله السلبية على قدرات الذاكرة طويلة المدى وهي المخزن الأساسي لعمليات التحليل المنطقي، وفهم المفاهيم المركبة، وتشكيل الآراء المستقلة، وفي المقابل فإن فقدان مهارة القراءة المركزة يقلل من فرص التأمل والتدبر، ويسهم في تراجع التفكير النقدي لصالح الاستهلاك السريع والمبسط لما توفره البيئة الرقمية.
منطق الآلة وسطوة السرعة
يقوم العالم الرقمي على منهجية ترتكز على السرعة الفائقة والإنتاجية المكثفة والأداء العالي، ورغم أن هذه المبادئ أحدثت طفرة غير مسبوقة في بيئات العمل وتدفق البيانات، إلا أن إسقاطها على العقل البشري أدى إلى اختزال المعارف الحية في صورة بيانات رقمية تقرأ سؤيعا بدلاً من خبرات يتم تأملها وتدبرها.
لقد كانت الطباعة قديماً تحث القارئ على التمهل، والهدوء، ومتابعة الفكرة التي يطرحها المؤلف حتى منتهاها أما بيئة الإنترنت الحالية فتضغط باتجاه التشتت، حيث تتزاحم المادة الإعلانية مع النصوص، وتتسابق التنبيهات لاختطاف الوعي، مما يحول فعل القراءة إلى مجرد عبور خاطف يلامس العناوين الخارجية دون الغوص في عمق المعنى.
إقرأ أيضا












































