اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - حين يبدأ مجلس الأمة دورة جديدة، يبدأ المواطن حسابه من مكان مختلف: ما الذي يمكن أن يتغير في حياته؟ كيف ستنعكس التشريعات على فرصة العمل، وكلفة العلاج، وجودة التعليم، وحماية دخله وحقوقه؟ وبين ما يُناقش تحت القبة وما يعيشه الناس خارجها، تتحدد قيمة العمل البرلماني، وتُبنى الثقة بقدرة المؤسسة التشريعية على التأثير.
فالشارع لا ينتظر من النواب امتلاك حلول فورية لكل أزمة، لكنه ينتظر أن يجد أولوياته حاضرة بوضوح، وأن يرى من يتابعها حتى النهاية. والمواطن الذي يعرض مشكلة لا يحتاج فقط إلى صوت ينقل شكواه؛ يحتاج إلى جهد يحولها إلى سؤال محدد، ومراجعة جادة، وإجراء يمكن قياس أثره. هنا ينتقل التمثيل النيابي من التعبير عن المعاناة إلى العمل على أسبابها.
وتبدأ المسؤولية من ترتيب الأجندة التشريعية. فالأولوية التي يُمنحها مشروع قانون، والوقت المخصص لدراسته، والجهات التي تُستمع إلى ملاحظاتها، كلها قرارات تؤثر في نوعية التشريع. وقبل إقرار أي تعديل، يستحق الأردنيون معرفة المشكلة التي يعالجها، وما أظهره تطبيق النص القائم، والكلفة المتوقعة للتغيير، والفئات التي ستستفيد منه أو تتحمل تبعاته.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في التشريعات المرتبطة بحياة الأسر وأعمالها، حيث قد تحمل مادة قانونية قصيرة أثراً واسعاً على مدين متعثر، أو عامل، أو صاحب مشروع صغير. وصناعة التوازن في هذه الملفات تحتاج إلى الاستماع للأطراف المختلفة، وفحص البدائل، وتقدير النتائج. فالقانون الجيد يحمي الحقوق، ويتيح تطبيقاً عادلاً، ويقلل فرص النزاع والتأويل المتضارب.
ولهذا، فإن الانفتاح على المجتمع يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من عمل اللجان النيابية. لدى النقابات والجامعات والقطاعات المهنية والجمعيات خبرات تستحق الاستماع، كما أن لدى المواطنين تجارب قد تكشف ثغرات لا تظهر في الصياغات الرسمية. وتصبح المشاركة أكثر جدية عندما يعرف من قدم ملاحظة كيف نوقشت، ولماذا أُخذ بها أو استُبعدت، بدلاً من أن تنتهي جلسة الحوار بانتهاء خبرها.
أما الرقابة، فتكتسب قوتها من الاستمرار. السؤال النيابي يفتح الملف، والجواب الحكومي يضع معلوماته الأولى، ثم تأتي مسؤولية التدقيق والمتابعة: هل عولج الخلل؟ هل نُفذ الالتزام؟ وما الذي حال دون ذلك؟ وحين تبقى هذه الحلقة مفتوحة بلا نتيجة، تتراكم الأوراق ويضعف أثرها، مهما كانت حدة النقاش الذي رافقها.
وفي مناقشة الإنفاق العام خصوصاً، يحتاج المواطن إلى رقابة تربط المال بالنتيجة. ما الذي تحسن مقابل المخصصات التي أُنفقت؟ وهل وصلت الخدمة إلى مستحقيها؟ وهل تعالج الزيادة في الإنفاق فجوة فعلية، أم تمول استمرار طريقة عمل لم تعد فعالة؟ هذه أسئلة تمنح النقاش المالي معنى يتصل بالمستشفى والمدرسة والطريق، وتساعد على توجيه الموارد المحدودة نحو الأولويات الأشد إلحاحاً.
وتستطيع الكتل النيابية أن تمنح هذا العمل عمقاً أكبر حين تدخل الدورة ببرامج محددة وأولويات معلنة، وتوزع الجهد على ملفات تتكامل فيها الخبرة التشريعية والرقابية. فالعمل الجماعي يتيح متابعة أطول، ومقارنة أدق، وموقفاً أكثر اتساقاً. كما يمنح الناخب أساساً واضحاً للحكم على الأداء، بعيداً عن الانطباع الذي يصنعه تصريح منفرد أو مشهد عابر.
وفي المقابل، تتحمل الحكومة مسؤولية توفير معلومات دقيقة وإجابات مكتملة في الوقت المناسب، والتعامل مع الملاحظات النيابية بوصفها فرصة لتصحيح الأداء. فالعلاقة المؤسسية المنتجة تقوم على وضوح المسؤوليات، واحترام صلاحيات كل طرف، والاستعداد للمساءلة. ومن حق المواطن أن يرى مواضع الاتفاق والخلاف مفهومة، وأن يعرف كيف انتهى النقاش إلى قرار.
وتمتد مسؤولية البرلمان إلى مراجعة أثر القوانين بعد إقرارها. فقد يكشف التطبيق عبئاً لم يكن محسوباً، أو ثغرة تحتاج إلى معالجة، أو غاية لم تتحقق. وعندما يعود المجلس إلى التشريع ليفحص نتائجه، فإنه يؤكد أن مهمته مستمرة، وأن النص يخضع لاختبار الحياة، وأن تصحيح المسار جزء من المسؤولية.
تحت القبة، تُرتب أولويات الدولة وتُناقش حقوق الناس والتزاماتهم، ولذلك يستحق هذا المكان نقاشاً يوازي حجم الأمانة التي يحملها. والأردنيون سيحكمون في النهاية بما يجدونه في حياتهم: حق أوضح، وخدمة أفضل، وقرار أكثر عدلاً، والتزام حكومي نُفذ. هناك، خارج القبة، تظهر النتيجة الحقيقية لكل ما يقال تحتها.












































