اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢١ أيلول ٢٠٢٦
ماذا يمكن لعاشق أن يُهدي معشوقةً تملك كل شيء، ملك واسع وثراء فاحش؟ ولندرك مدى ثرائها يُروى أنها أذابت مرة في كأس من الخل لؤلؤة عملاقة كانت تزيّن أذنها وشربتها لتبهر حبيبها. فعلم هذا العاشق الغلبان القائد الروماني مارك أنطوني، أنه لن يثير إعجاب حبيبته إلا بهدية خارجة عن المألوف، فحمل إلى مكتبة الإسكندرية الكبرى مئتي ألف مخطوط ليفوز بقلب ملكة مصر كليوباترا. ومن حينها أصبحت هذه الوريقات الهشة التي تدعى كتابا هدية ذات قيمة معنوية ومادية مفضَّلةً لدى من يرغب في أن يتميز في إهدائه.
هذه الهشاشة التي وصفنا بها الكتاب مخادعة جدا، فرغم أنه لم يكن مصنوعا من الحديد ولا الحجر، بل كان برديّة مستخرجة من ساق قصب هشة على ضفاف النيل، سريعة العطب يذيبها الماء وتحولها النار إلى رماد ويتلفها إهمال الإنسان، إلا أنه حفظ لنا ذاكرة البشرية وتاريخها وآدابها، وكل ما أنجبه عقلها الجمعي. وحكاية الحامل الضعيف للمحمول القوي الثمين، ترويها لنا الكاتبة الإسبانية المتخصصة في الدراسات الكلاسيكية إيريني باييخو في كتابها ذي الـ770 صفحة «اختراع الكتب اللامتناهي في بردية» الصادر عن دار الآداب بترجمة رشيقة متميزة قام بها جمال مارك.
هذا الكتاب الذي تصفه صاحبته بأنه «ألف ليلة وليلة التي تحكي قصة الكتب» ترجم إلى أربعين لغة، وصدر منه أكثر من خمسين طبعة باللغة الإسبانية وحدها. ونالت عليه مؤلفته جوائز عديدة. وأثنى عليه كتاب كبار، فماريو بارغاس يوسّا وصفه بأنه تحفة فنية من أجمل ما كتب عن الكتب، في حين قال عنه ألبرتو مانغويل أشهر المهووسين بالكتب بأنه «بحث ساحر»، ومن يقرأ الكتاب يتأكد من صدق ما وُصف به.
وقبل استعراض أفكار الكتاب لفتني أمران أولهما، أن إيريني باييخو كتبت مقدمة خاصة بالطبعة العربية وكانت قد قامت بجولة في العالم العربي لتقديم مؤلَّفها فزارت مصر والمغرب، وفي مقدمتها للترجمة العربية تكتب «لقد كانت بغداد وقرطبة تزهوان بامتلاكهما مئات الآلاف من الكتب الثمينة، في حين لم تتجاوز مقتنيات كبرى مكتبات العصور الوسطى في أوروبا المسيحية بضع مئات من المجلدات»، والإنصاف عزيز. وثاني الأمرين نجده في آخر الكتاب وللأسف أصبح عملة نادرة مفقودة عند الكتاب العرب وهو، شكر من ساعد في إنجاز الكتاب، ففي حين يتعامل الباحث والكاتب العربي على طريقة «وان مان شو»، تكتب إيريني تحت عنوان «شكر وعرفان» أربع صفحات كاملة شكرت فيها 93 شخصا مدوا لها يد العون صغيرا كان أو كبيرا، وهو تقليد يجدر بكتّابنا اتباعه.
نبدأ من سؤال مركزي ما الذي يغري جمهورا واسعا مليونيا بقراءة كتاب متخصص في تاريخ الكتب؟ والجواب يكمن في براعة المؤلفة التي حولت بحثا أكاديميا استغرق سنوات من عمرها إلى ما يشبه الرواية في نص سردي يعتمد على الحكاية والاستطراد والتنقل الرشيق بين الماضي والحاضر، ضمن دائرة مغلقة بدأتها بمكتبة الإسكندرية، في عهد مبتكرها الأول الإسكندر المقدوني الأكبر الذي كان في صغره ينام ونسخة من الإلياذة مخبأة تحت وسادته، وأنهتها في المكتبة نفسها قبل سنتين من قرننا الحالي وهي تحاضر فيها عن الكتب. والمؤلفة لم تكن ترى في هذه المكتبة الأسطورية وعاء ضخما لحفظ كتب الدنيا فقط، كما أراد لها منشؤوها، بل هي حلم بأن تغدو «موطنا من الورق لمن لا موطن لهم»، لذلك أرسل حكام مصر البطالمة الفرسان إلى بقاع الأرض المتفرقة، ليجلبوا لهم ما أنتجه الفكر البشري يومذاك من معارف في شكل كتب. ولم تكن هذه البعثات خالصة لوجه العلم تماما، بل كانت وراءها رغبة في امتلاك المعرفة وطموح لامبراطورية تسعى لتوحيد الشعوب تحت سلطتها.
ومن النقاط المهمة التي ذكرتها إيريني أنها لا تختزل مكتبة الإسكندرية في قصة الحريق الشهيرة، بل تذهب إلى أن نهايتها لم تكن بالحريق وحده، بل بأضرار متراكمة امتدت على قرون، وارتبطت بالحروب وضعف اهتمام الحكام بهذا الصرح. وعوض التركيز على الحريق استعادت الكاتبة الحياة التي دبت في المكتبة، وكان أبطالها جيش من العلماء والمترجمين والمفهرسين، ومحققي النصوص الذين يميزون بين الأصيل والمنحول. إلى أن سرقت روما الإمبراطورية الوليدة وهج مكتبة الإسكندرية وكثيرا من كتبها فأصبح طريق الكتاب يؤدي هو أيضا بدوره إلى روما.
تصطحبنا إيريني باييخو في رحلة موغلة في التاريخ إلى الأزمنة التي سبقت الأبجدية، حيث بحث الإنسان عن مادة تصلح ليودعها كلماته ورسومه، فتنقّلَ من النقش على الصخر إلى الألواح الطينية، وواصل التجريب مع القصب والحرير والجلود ثم الورق بتحولاته وصولا إلى كتب البلاستيك والضوء، وهذه التحولات ليست مخترعات مادية فقط، بل رحلة مضنية للكلمات وهي تبحث عن جسد يكون خفيفا ومستداما ليحملها إلى مستقبل بعيد ومكان قصي لم يولد قراؤه بعد. ولعل النقلة الأبرز كانت مع ظهور الكودكس وهو شكلٌ قديم للكتاب، يتكوّن من أوراق مطوية ومجموعة بين غلافين، فقد حلّ تدريجيا محل اللفافة جدَّة الكتاب الورقي الحالي، فمرونة الكودكس في تقليب الصفحات وسهولة الحمل أعطته قدرة على استيعاب النصوص الطويلة ضمن دفتيه وتواؤُما مع عين الإنسان القارئة له ويده الممسكة به. ورغم هشاشة هذه الحوامل «البردي تأكله الرطوبة، والرق يحترق، والورق يتمزق، والملف الرقمي قد يختفي بتعطل جهاز»، إلا أن قدرة الكتاب على التكيف فاقت التوقعات، بقابليته للنسخ والانتقال من حامل إلى آخر، رغم ما يعتري ذلك من تحريف عفوي أحيانا، وتشويه مقصود أحيانا أخرى، ولكن ميزة الخلود للأفكار أعطاها مرونة تقمص أجساد كثيرة، وهي في جوهرها متشابهة، فالشاشة الحديثة التي نمرر فيها النصوص بفأرة الحاسوب، ليست سوى حفيدة اللفافة التي كانت كلماتها تتسلسل أمام أعين أسلافنا. فمن اللوح الطيني إلى اللوحة الرقمية تعددت الألواح والهدف واحد.
«اختراع الكتب» ليس تكريما للمؤلفين العظام الذين دونوا المعرفة البشرية، بل هو قبل ذلك تكريم للجنود المجهولين الذين تتجاهلهم الأضواء من رواة وناسخين ورسامين ومترجمين وكتبيين ومعلمين ومكتبيين، فحين ينتهي دور المؤلف يُلقى الحمل على أكتاف هؤلاء المنسيين لمنح الكتاب حياة وراء حياة، حتى يصل إلى يدي قارئ جالس على شاطئ، أو منزو في قرية نائية، أو في مقهى مدينة صاخبة، فبفضل هؤلاء تُضخُّ دائما دماء جديدة في منتج سريع التلف كالكتاب، فمثلا من مفارقات الحضارة الرومانية، التي مجدت البلاغة والعقل، أن السبب في انتشار كتبها، «عبيد متعلمون عملوا في النسخ والقراءة والتعليم وإدارة المكتبات». ولا تنسى الكاتبة أن تنتصر للنساء، وتعلن ذلك صراحة في أحد لقاءاتها «كنت مهووسة بمعرفة أين كانت النساء في العالم الفكري في العصور القديمة»، محاولة إنصافهن في وجه تواطئ رجالي يحرمهن من التعبير عن أنفسهن، ابتداء بتليماخوس ابن أوديسيوس الذي قال «الكلام يجب أن يكون شأن الرجال». وليس انتهاء بجملة الفرزدق الذكورية الموجعة حين قيل له إن فلانة تقول الشعر، فأجابهم: «إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها». غير أن إيريني تزيل الغبار المتراكم عن إسهام المرأة في رفد المعرفة الإنسانية، فحتى إن غاب معظمه كتابيا لكنه بقي شفويا في مراثيها وحكاياتها وتهويداتها لأطفالها لتنيمهم، وتربط المؤلفة بين نسج القماش ونسج الرواية، مستندة إلى قرابة لغوية بين text وtextile التي ترجع إلى أصل لاتيني واحد. وتصوّب الكاتبة السؤال الظالم: لماذا لم تكتب النساء؟ ليصبح: لماذا لم يُحفظ ما كتبن وروين؟ مؤكّدة أن ندرة أسماء النساء في تاريخ الأدب «دليل على خلل في وسائل الحفظ والاعتراف، لا على صمتهن».
حين ننتهي من هذه الرحلة الممتعة مع كتاب إيريني باييخو «اختراع الكتب: اللامتناهي في بردية» ندرك أنه لم يكن غرض المؤلفة أن تؤرخ للكتاب مثلما فعل مانغويل في تاريخ القراءة، بل أرّخت لمقاومة النسيان، حيث تجسدت الكلمات في قمصان كثيرة كالطين والبردي والجلد والورق وأخيرا الشاشة لتنجو، بل تجسدت في ذاكرة معتقلي الغولاغ الذين جعلوا من عقولهم أوعية مؤقتة لما كتبوا أو في الذين نسخوا أفكارهم وشوما على أجسادهم، ليوصلوا ما يعتقدون إلى أجيال تتحرر بكلماتهم. تقول لنا باييخو عبر كثير من الأمثلة والشواهد والاستطرادات، إن الهشاشة هي التي حمت الكتاب بانتقاله من يد إلى أخرى، فما يبدو لنا بردية رقيقة هي في حقيقتها ذاكرة بشرية تحمل بين جوانحها: اللانهاية.












































