اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٤ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - قبل عشر سنوات، من كان يستطيع أن يرسم بدقة شكل المنطقة التي نعيش فيها اليوم؟
دول تغيرت، وحكومات سقطت، وتحالفات تبدلت، وحدود أُغلقت ثم فُتحت، وحروب اندلعت، وأخرى انتهت لتبدأ مواجهات جديدة، فيما دخلت المسيّرات والصواريخ والذكاء الاصطناعي والطاقة والمياه إلى صلب معادلات الأمن والاقتصاد.
واليوم يضع الأردن خططه حتى عام 2033 وما بعده.
رؤية تحديث اقتصادي، مشاريع مياه وطاقة ونقل، مدن جديدة، استثمارات، بنية تحتية، تحديث إداري وسياسي، وخطط لتغيير شكل الاقتصاد وسوق العمل.
وهذا ضروري.
الدولة التي لا تخطط للمستقبل محكومة بأن تقضي وقتها في معالجة الحاضر.
لكن الأردن يواجه معضلة استثنائية:
كيف تخطط لعشر سنوات وأنت تعيش في منطقة قد تتغير معادلاتها خلال عشرة أيام؟
المشكلة ليست في الخطة.. بل في الافتراضات
كل خطة طويلة المدى تقوم على مجموعة من الافتراضات.
كيف سيكون عدد السكان؟
كم سنحتاج من المياه؟
من أين ستأتي الطاقة؟
أين سنصدر منتجاتنا؟
كم سائحاً سيزور المملكة؟
ما حجم التجارة مع دول الجوار؟
كيف ستكون حركة النقل؟
وأين ستكون الأسواق الجديدة؟
لكن ماذا يحدث إذا تغيرت الافتراضات نفسها؟
طريق تجاري قد يصبح غير صالح بسبب حرب.
سوق تصدير قد يغلق.
دولة مجاورة قد تنهار أو تستقر.
سعر النفط قد يقفز.
المجال الجوي قد يغلق.
السياحة قد تتراجع خلال أيام.
ومشروع كان يبدو استراتيجياً اليوم قد يحتاج إلى إعادة حساب بعد ثلاث سنوات.
إذن التحدي الحقيقي ليس أن نكتب خطة تستطيع التنبؤ بكل ما سيحدث.
هذا مستحيل.
التحدي هو أن نبني خطة تستطيع العيش مع ما لم نتوقعه.
خذ سوريا مثلاً
لسنوات طويلة كان الشمال الأردني يُقرأ أمنياً قبل أن يُقرأ اقتصادياً.
حدود.
تهريب.
لاجئون.
مليشيات.
مخاطر أمنية.
اليوم تتغير سوريا، ويتغير معها السؤال الأردني.
ماذا لو عاد طريق التجارة؟
ماذا لو بدأت إعادة الإعمار على نطاق واسع؟
ماذا لو أصبحت المملكة مركزاً لوجستياً للشركات التي تريد العمل في السوق السورية؟
ماذا لو عاد جزء من اللاجئين؟
ماذا لو تحولت الحدود الشمالية من عبء أمني إلى فرصة اقتصادية؟
كل واحد من هذه الاحتمالات قادر على تغيير حسابات النقل والتجارة والصناعة والعقارات وسوق العمل.
والعكس صحيح أيضاً.
أي عودة للاضطراب قد تعيد الحسابات إلى مكان آخر.
إذن أي خطة أردنية لسوريا لا يمكن أن تحتوي على سيناريو واحد.
والعراق أيضاً
العراق سوق طبيعي للأردن، وممر اقتصادي، ومصدر محتمل للطاقة، وشريك في مشاريع استراتيجية.
لكن العراق نفسه يقع داخل شبكة معقدة من العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران والخليج وتركيا وقوى داخلية متعددة.
قرار سياسي في بغداد قد يؤثر على تجارة الأردن.
توتر أمني قد يؤثر على النقل.
مشروع إقليمي جديد قد يمنح العقبة فرصة.
وممر تجاري منافس قد يسحب منها جزءاً من الحركة.
فهل نضع خطتنا الاقتصادية على افتراض أن العراق سيبقى كما هو؟
أم نضع عدة سيناريوهات للعراق الذي قد يكون بعد خمس سنوات؟
وفلسطين ليست ملفاً خارجياً بالنسبة للأردن
أي تغير جوهري في الضفة الغربية لا يبقى غرب النهر.
الاستيطان.
الضم.
التهجير.
حل الدولتين أو انهيار فرصه.
كل ذلك يمس الأردن سياسياً وأمنياً وديموغرافياً واقتصادياً.
ولهذا فإن الأردن لا يستطيع أن يضع خطة طويلة الأمد للمياه والسكان والاستثمار والأمن من دون أن يضع بجانبها سؤالاً بالغ الحساسية:
كيف سيكون شكل القضية الفلسطينية خلال السنوات المقبلة؟
لا لأننا نتوقع السيناريو الأسوأ.
بل لأن الدولة الجادة تستعد حتى للسيناريو الذي تعمل سياسياً بكل قوتها لمنع حدوثه.
ثم تأتي إيران والخليج
التصعيد الأخير أظهر مرة أخرى كيف يستطيع صراع لا يريده الأردن أن يصل إلى سمائه واقتصاده.
إغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة فيه لا يحتاج إلى صاروخ يسقط في الأردن كي يؤثر علينا.
يكفي أن ترتفع أسعار النفط.
أو التأمين البحري.
أو الشحن.
أو تتأثر حركة الطيران.
أو تتراجع السياحة.
وفجأة تصبح حرب على بعد مئات الكيلومترات بنداً داخل فاتورة الأسرة الأردنية.
وهذا يفرض سؤالاً جديداً على التخطيط الاقتصادي:
هل نقيس المشروع فقط وفق ظروف اليوم؟
أم نسأل أيضاً:
هل يستطيع الصمود إذا تضاعفت كلفة الطاقة أو الشحن؟
وهنا يظهر الناقل الوطني
مشروع الناقل الوطني للمياه مثال جيد على الفرق بين المشروع العادي والمشروع الاستراتيجي.
الأردن من أكثر دول العالم شحاً بالمياه، ولذلك لا يستطيع أن يبني أمنه المائي على انتظار ظروف إقليمية مثالية.
المشروع يجب أن يستمر لأن الماء ليس رفاهية تتغير أولويتها مع الحكومة أو الأزمة.
وهنا نصل إلى قاعدة مهمة:
هناك مشاريع يجب أن تكون فوق تقلبات الإقليم.
المياه.
الطاقة.
الأمن الغذائي.
البنية الرقمية.
النقل الأساسي.
الصحة.
هذه ليست مشاريع حكومة.
إنها تأمين طويل الأجل للدولة.
لكن حتى المشاريع الاستراتيجية تحتاج إلى سيناريوهات
القول إن المشروع استراتيجي لا يعني تنفيذه بالطريقة نفسها مهما تغير العالم.
قد يبقى الهدف ثابتاً بينما تتغير الوسيلة.
نريد أمناً مائياً.
هذا هدف ثابت.
لكن التكنولوجيا المستخدمة وكلفة الطاقة والتمويل قد تتغير.
نريد شبكة نقل قوية.
هدف ثابت.
لكن طرق التجارة التي تخدمها قد تتغير.
نريد طاقة مستقرة.
لكن مزيج الغاز والطاقة الشمسية والتخزين والهيدروجين قد يتغير جذرياً خلال عقد.
وهنا الفرق بين الخطة الجامدة والاستراتيجية المرنة.
الأولى تقول:
سنفعل أ، ثم ب، ثم ج.
الثانية تقول:
هذا هو المكان الذي نريد الوصول إليه، ولدينا أكثر من طريق إذا تغيرت الظروف.
ربما يجب ألا نخطط للمستقبل.. بل للمستقبلات
هذه الفكرة تستحق أن تصبح جزءاً أساسياً من طريقة عمل الدولة.
لا يوجد مستقبل واحد.
هناك عدة مستقبلات محتملة.
سوريا مستقرة.
وسوريا مضطربة.
عراق قوي اقتصادياً.
وعراق يدخل أزمة.
سلام إقليمي.
وحرب ممتدة.
نفط مرتفع.
ونفط منخفض.
تقدم تكنولوجي أسرع من المتوقع.
وموجة لجوء جديدة.
وفترة استقرار طويلة.
لا يمكن أن نعرف أيها سيحدث.
لكن يمكن أن نسأل:
ماذا سنفعل في كل حالة؟
وهنا يصبح التخطيط بالسيناريوهات أهم من محاولة التنبؤ.
حتى الموازنة يجب أن تفكر بهذه الطريقة
الموازنة العامة عادة تُبنى على توقعات للنمو والإيرادات والنفقات وأسعار الطاقة وغيرها.
لكن دولة في موقع الأردن تحتاج دائماً إلى «ماذا لو؟».
ماذا لو ارتفع النفط 30%؟
ماذا لو تراجعت السياحة؟
ماذا لو تعطلت طرق التجارة؟
ماذا لو جاءت موجة لجوء؟
ماذا لو ارتفعت كلفة الاقتراض؟
وماذا لو حدث العكس وظهرت فرصة اقتصادية استثنائية؟
فالمرونة ليست فقط للاستجابة للكوارث.
قد تضيع الفرصة أيضاً إذا لم تكن مستعداً لها.
إعادة إعمار سوريا مثال على الفرصة
إذا دخلت سوريا مرحلة واسعة من إعادة الإعمار، فلن تنتظر الشركات العالمية الأردن حتى يستعد.
ستتحرك تركيا.
ودول الخليج.
والعراق.
وشركات آسيوية وأوروبية.
وسيبدأ السباق على العقود والنقل والمواد والخدمات.
الأردن يستطيع أن يكون منصة مهمة بحكم الجغرافيا والاستقرار والخبرات والعلاقات.
لكن هذا لن يحدث تلقائياً.
يحتاج إلى مستودعات.
طرق.
خدمات لوجستية.
تمويل.
شركات قادرة على المنافسة.
تشريعات.
ومعابر ذات كفاءة.
إذا انتظرنا حتى تبدأ الفرصة لكي نستعد لها، ربما يصل الآخرون قبلنا.
إذن التخطيط للمخاطر والتخطيط للفرص وجهان للعملة نفسها.
والسؤال الأصعب: ماذا عن التكنولوجيا؟
ربما يكون تغير التكنولوجيا أسرع من تغير السياسة.
الطفل الذي يدخل المدرسة اليوم سيتخرج إلى سوق عمل مختلف جذرياً.
الذكاء الاصطناعي قد يغير وظائف كاملة.
المركبات الكهربائية تغير النقل.
الطاقة المتجددة تغير معادلات الطاقة.
العمل عن بعد يغير مفهوم الوظيفة.
والأتمتة تغير الصناعة.
لذلك قد يكون أخطر شيء أن نخطط لعام 2033 بعقل عام 2026.
نحن لا نحتاج فقط إلى تحديث المشاريع.
نحتاج إلى تحديث الخطة نفسها أثناء تنفيذها.
رؤية 2033 يجب ألا تصبح نصاً مقدساً
رؤية التحديث الاقتصادي وضعت مساراً طويلاً عابراً للحكومات، وهذه إحدى نقاط قوتها.
لكن قوة الرؤية لا تعني ألا تتغير.
بل العكس.
الرؤية الناجحة يجب أن تمتلك آلية تقول:
هذا الهدف ما زال صحيحاً.
هذا الهدف تغيرت ظروفه.
هذه الأداة لم تنجح.
هذه الفرصة لم تكن موجودة عندما كتبنا الخطة.
وهذا المشروع أصبح أكثر إلحاحاً مما توقعنا.
المراجعة ليست اعترافاً بالفشل.
الخطة التي لا تتغير بينما العالم يتغير هي الخطة التي يجب أن نقلق منها.
لكن هناك خطر معاكس
يجب ألا نستخدم اضطراب المنطقة عذراً لتغيير الخطط كل عام.
هذه نقطة بالغة الأهمية.
إذا أصبح كل حدث إقليمي سبباً لتعديل الأولويات، فلن ننجز شيئاً.
الحكومة الجديدة تغير.
الحرب تغير.
الأزمة تغير.
ثم تأتي فرصة فتغير.
ونعود إلى البداية.
لذلك نحتاج إلى التمييز بين شيئين:
الأهداف الثابتة والأدوات المرنة.
الأردن يريد اقتصاداً أقوى.
هذا ثابت.
يريد أمناً مائياً.
ثابت.
يريد وظائف أكثر.
يريد طاقة مستقرة.
يريد تعليماً أفضل.
يريد حماية حدوده وسيادته.
أما كيفية الوصول إلى ذلك، فيجب أن تبقى قابلة للتغيير.
الدولة تحتاج إلى «رادار للمستقبل»
لدينا مؤسسات ترصد الطقس.
وأخرى تراقب الاقتصاد.
وأجهزة تراقب التهديدات الأمنية.
لكن التخطيط الحديث يحتاج إلى قدرة تجمع الإشارات الصغيرة قبل أن تتحول إلى واقع كبير.
ما التقنيات التي ستغير الصناعة؟
أين تتحرك التجارة العالمية؟
كيف تتغير ديموغرافيا المنطقة؟
ماذا يحدث في سوق المياه؟
ما القطاعات التي ستختفي؟
ما الوظائف التي ستولد؟
ما التحالفات الاقتصادية الجديدة؟
ليس الهدف التنبؤ بالغيب.
بل تقليل المفاجأة.
الدولة لن تعرف الأزمة المقبلة.
لكن يمكنها أن تصبح دولة يصعب على الأزمة مفاجأتها.
وهناك شيء آخر: السرعة
في عالم يتغير بهذه الوتيرة، لا تستطيع الدولة أن تقضي ثلاث سنوات في دراسة مشروع ثم سنتين في طرحه ثم سنوات في تنفيذه، لتكتشف عند افتتاحه أن العالم الذي صُمم له تغير.
هذا لا يعني تجاوز الدراسات أو الرقابة.
يعني أن زمن القرار نفسه أصبح عاملاً استراتيجياً.
الدولة التي تتخذ القرار الصحيح متأخرة قد تخسر مثل الدولة التي اتخذت قراراً خاطئاً.
وهذه مسألة مهمة جداً للأردن.
نحن بلد محدود الموارد.
لا نستطيع دائماً التفوق بحجم رأس المال.
لكن يمكننا التفوق بسرعة القرار وجودة الإدارة والقدرة على التكيف.
الأردن لديه ميزة ربما لا نقدرها بما يكفي
على الرغم من كل ما جرى حوله خلال العقود الماضية، ظل الأردن قادراً على الاستمرار.
حرب العراق.
الأزمة السورية.
موجات اللجوء.
الإرهاب.
الأزمات الاقتصادية العالمية.
الحرب على غزة.
التوترات الإقليمية.
ومع ذلك بقيت الدولة تعمل.
هذه الخبرة نفسها رأس مال استراتيجي.
الأردن يعرف كيف يعيش وسط عدم اليقين.
لكن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس فقط أن نعرف كيف ننجو من الأزمات.
بل كيف ننمو خلالها.
وهذا فرق ضخم.
لا تنتظر المنطقة حتى تهدأ
ربما هذا هو الخطأ الذي يجب ألا نقع فيه.
أن نقول:
عندما تستقر سوريا سنتحرك.
عندما تنتهي الحرب سنتوسع.
عندما يهدأ الخليج سنستثمر.
عندما تُحل فلسطين سنخطط.
ماذا لو لم يحدث كل ذلك خلال عشر سنوات؟
هل ننتظر؟
الشرق الأوسط قد لا يمنح الأردن أبداً عشر سنوات هادئة متصلة.
إذن على الأردن أن يبني نموذجاً اقتصادياً وسياسياً يستطيع العمل من دون اشتراط الهدوء الإقليمي.
نستثمر والمنطقة مضطربة.
نبني والمنطقة مضطربة.
نصدر والمنطقة مضطربة.
نطور السياحة والمنطقة مضطربة.
ونجذب رأس المال ونحن نشرح للمستثمر أن الاستقرار الأردني لا يعني أن جيراننا مستقرون، بل يعني أن المملكة أثبتت قدرتها على حماية استقرارها وسط اضطرابهم.
السؤال ليس: هل نستطيع التنبؤ بعام 2033؟
لا نستطيع.
ولا يستطيع أحد.
قد يكون الشرق الأوسط بعد سبع سنوات أكثر استقراراً مما نتوقع.
وقد يكون أكثر اضطراباً.
قد تظهر دول وتحالفات وممرات اقتصادية وتقنيات لم نضعها في حساباتنا.
لكن الأردن لا يحتاج إلى معرفة المستقبل حتى يستعد له.
يحتاج إلى معرفة ما الذي لن يتنازل عنه مهما تغير المستقبل.
أمنه.
مياهه.
طاقته.
اقتصاده.
تعليم أبنائه.
قوة مؤسساته.
وعلاقاته المتوازنة.
ثم يحتاج إلى المرونة الكافية لتغيير الطريق كلما أغلقت الأحداث طريقاً وفتحت آخر.
ولهذا فإن الإجابة عن سؤال العنوان هي:
نعم، يستطيع الأردن أن يخطط لعشر سنوات في منطقة تتغير كل عشرة أيام.
لكن بشرط واحد:
ألا تكون خطته محاولة لتوقع ما سيحدث خلال السنوات العشر.
بل أن تكون خطة تجعل الأردن قادراً على التعامل مع أي شيء يحدث خلالها.
فالخطة الأقوى ليست التي تتنبأ بالمستقبل بدقة.
الخطة الأقوى هي التي لا يسقطها المستقبل عندما يأتي مختلفاً عما توقعناه.












































