اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
* المحافظات لا تحتاج مشروعات أكثر بل فجوات أقل
ليست المشكلة التنموية في المحافظات الأردنية أن الدولة لم تنفق أو لم تنفذ مشروعات؛ فقد توزعت المخصصات والبرامج والجولات الحكومية والمبادرات الملكية على مختلف المناطق لسنوات. المشكلة الأعمق هي أننا نعرف غالباً ما أُنجز، لكننا لا نعرف بالدقة نفسها مقدار ما تغيّر. نحصي المدارس والمراكز الصحية والدورات التدريبية والطرق، فيما يبقى السؤال الأهم مؤجلاً: كم أغلقت هذه المشروعات من الفجوة التي أُنشئت لمعالجتها؟ فالإنفاق العام لا يصبح تنمية بمجرد صرفه، وإنما عندما يترك أثراً يمكن قياسه في حياة المواطن وموقع محافظته على خريطة الفرص والخدمات. وإلا بقي الفرق قائماً مهما تعددت المشروعات وتكررت البرامج.
هذا الفرق بين الإنجاز والأثر هو مدخل أكثر عدالة لإدارة التنمية المحلية. فافتتاح مركز صحي إنجاز، لكن الأثر هو انخفاض زمن الوصول والانتظار وتحسن الخدمة. وإنشاء مدرسة إنجاز، لكن الأثر هو تراجع الاكتظاظ وتحسن البيئة التعليمية. وتنفيذ برنامج تدريب إنجاز، لكن الأثر الحقيقي هو انتقال المتدربين إلى وظائف مستقرة. وعندما يكتمل المشروع ولا يتحرك المؤشر المستهدف، تكون الأعمال قد نُفذت، لكن المشكلة لم تُحل.
وتكشف البطالة بوضوح لماذا لا يصلح حل واحد لجميع المحافظات. ففي الربع الثاني من عام ٢٠٢٦ بلغ معدل البطالة بين الأردنيين ٢١ بالمائة على مستوى المملكة، لكنه ارتفع إلى ٣٣٫٢ بالمائة في معان و٢٣٫٣ بالمائة في الطفيلة، مقابل ١٤٫٧ بالمائة في العقبة. هذه ليست فروقاً إحصائية عابرة؛ بل دليل على اختلاف البيئة الاقتصادية والفرص والعوائق، وعلى ضرورة تصميم تدخل يناسب كل محافظة.
وتظهر الصورة نفسها في الخدمات. فوفق أحدث البيانات الرسمية التفصيلية المتاحة، بلغ المتوسط الوطني عام ٢٠٢٤ نحو ١٫١٧ مركز صحي شامل لكل مائة ألف نسمة، مع تفاوت بين المحافظات. وفي التعليم، بلغ متوسط عدد الطلبة في الشعبة ٢٤٫٦ طالباً خلال العام الدراسي ٢٠٢٤–٢٠٢٥، وارتفع إلى ٢٧٫٩ في الزرقاء، مقابل ١٩٫٣ في معان. ولا تكفي المنشآت؛ فعدد تخصصات المستشفيات وزمن الوصول واكتظاظ الصفوف تكشف جودة الخدمة.
لذلك، تحتاج السياسة التنموية إلى تعزيز توجيه المشروعات والموارد وفق حجم الفجوة في كل محافظة وأسبابها، بدلاً من الاكتفاء بتحديد الاحتياجات وتمويل المشروعات دون قياس مقدار ما تحققه من أثر. فإذا كانت البطالة ناتجة عن ضعف الاستثمار، فالحل يختلف عن محافظة تعاني نقص النقل أو عدم توافق التدريب مع الوظائف أو ضعف مشاركة النساء. وقد يكون التدخل المناسب استثماراً مرتبطاً بميزة محلية، أو تدريباً ينتهي بوظيفة معلنة، أو خدمة نقل منتظمة توسع قدرة السكان على الوصول إلى العمل.
ويمكن تحويل هذه الفكرة إلى تجربة حكومية لمدة عام واحد، تختار خلالها كل محافظة فجوتين أو ثلاثاً فقط. يُحدد لكل فجوة وضعها الحالي، والنتيجة المراد بلوغها، والتدخل الأنسب، وكلفته، والجهة المسؤولة عنه. وبعد ستة أشهر تُراجع النتائج، وقبل إعداد الموازنة التالية يُقاس ما تغيّر فعلياً. ولا يتطلب وزارة أو صندوقاً جديداً، بل تنسيقاً مؤسسياً وشراكة مع القطاع الخاص مرتبطة بنتائج قابلة للقياس.
ولتوضيح الفكرة، إذا كان متوسط الانتظار في خدمة صحية ستين دقيقة، وكان الهدف خفضه إلى ثلاثين، فإن الفجوة تبلغ ثلاثين دقيقة. وإذا انخفض الانتظار بعد التدخل إلى أربعين دقيقة، فهذا يعني أن ثلثي الفجوة أُغلقا وبقي ثلثها. عندها يصبح القرار مبنياً على دليل: إما استكمال التدخل، أو معالجة سبب آخر، أو استبدال الأداة. وهكذا لا نبدأ كل عام من الصفر.
كما ينبغي ألا تُفصل الكلفة عن النتيجة. فالمشروع الأكبر ليس دائماً الأكثر أثراً، وقد يغلق تدخل محدود الكلفة فجوة أكبر من مشروع مرتفع الإنفاق. لذلك يجب تقييم كل دينار وفق مقدار التحسن الذي أحدثه، وإعادة توجيه الموارد نحو التدخلات الأعلى أثراً قبل طلب مخصصات إضافية. وتؤكد التجارب الدولية أن السياسات المرتبطة باحتياجات المناطق ونتائج قابلة للقياس أكثر فاعلية من التدخلات العامة غير المرتبطة بطبيعة الفجوة في كل منطقة.
لم يعد كافياً أن تسجل التقارير ما أُنجز بينما تبقى الفجوات. فالتدخل غير المؤثر يحتاج إلى مراجعة، والإنفاق الذي لا يحقق أثراً لا يُكرر. والمطلوب جعل الفجوة المتبقية أساساً للموازنة التالية: ما نجح يُوسع، وما حقق أثراً جزئياً يُعدل، وما لم يغيّر الواقع فعلياً يُراجع. عندها تنتقل تنمية المحافظات من توزيع المشروعات إلى عدالة النتائج، ويصبح النجاح فرقاً يلمسه المواطن في فرص العمل والخدمات ونوعية الحياة.












































