اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ أب ٢٠٢٦
محمد بن عبدالله الحسيني
لا أحد منصف ينكر أن الرياض تعيش طفرة تنظيمية غير مسبوقة، وأن ملف «المرور والتنظيم الحضري» يحتاج بالفعل إلى مشرط جراح لفك الاختناقات المتزايدة. فالمشهد السابق من الوقوف العشوائي، وعرقلة السير، وإغلاق أزقة الأحياء السكنية كان بحاجة إلى حزم وحلول هيكلية تشعرنا جميعاً بالانضباط والرقي في حركتنا اليومية. هذا التوجه نحو التنظيم مطلوب ومحل تقدير من الجميع.
لكن الانطباع العام الذي لمسته من حديث الجيران والزملاء عن مخالفة الـ150 ريالاً الخاصة برسوم المواقف في أحياء الرياض أنها جاءت بآلية تطبيق لا تراعي اختلاف طبيعة الأحياء ولا ظروف السكان. فكثيرون لا يعلمون أن الوقوف في بعض الشوارع أصبح خاضعاً للرسوم، وآخرون اكتشفوا المخالفة رغم أنهم فعّلوا التذكرة، بينما وقع البعض في فخ انتهاء الوقت دون تنبيه واضح. هذا الارتباك لا يحدث عادة عندما تكون الأنظمة واضحة ومفهومة للجميع.
ومن التفاصيل التي زادت من شعور الناس بالارتباك اعتبار المواقف أمام المنازل مواقف عامة لا تخص صاحب البيت، وكأن وجود السيارة أمام باب المنزل أصبح خاضعاً لرسوم لا يمكن تجاوزها.
هذا القرار تحديداً أثّر على فئات واسعة، أبرزهم كبار السن الذين لا يجيدون التعامل مع التطبيقات ولا يعرفون طريقة تسجيل سياراتهم أو سيارات ضيوفهم، مما جعلهم عرضة للمخالفات دون قصد.
كما أن أصحاب المحلات التجارية في الأحياء السكنية تلقّوا ضربة موجعة؛ فقلة الزوار بسبب الرسوم دفعت بعضهم إلى تقليص ساعات العمل، بينما اضطر آخرون إلى الإغلاق نهائياً بعد أن أصبحت تكلفة التشغيل أعلى من العائد. ومثل هذه الآثار الجانبية لا يمكن تجاهلها عند تقييم أي نظام جديد، خصوصاً إذا كان يمسّ حياة الناس اليومية بهذا الشكل المباشر.
الأثر السلبي أيضاً الأبرز هو أن الرسوم توسّعت دون أن تُشرح أسبابها أو أهدافها بشكل مقنع. كما أن قيمة المخالفة نفسها—150 ريالاً—تبدو مرتفعة مقارنة بطبيعة المخالفة، خصوصاً في الأحياء السكنية التي لا تُعد مناطق تجارية مزدحمة.
لا أحد يعترض على تنظيم المواقف أو تحسين انسيابية الحركة، بل إن كثيرًا من السكان يرحبون بأي خطوة تقلل الفوضى المرورية. لكن التنظيم لا ينجح إذا لم يكن مصحوباً بتوعية، ومرونة، وفترة انتقالية، ورسوم عادلة، وآلية ضبط دقيقة تمنع تسجيل المخالفات بالخطأ. فالتنظيم الجيد لا يربك الناس، بل يجعلهم يشعرون أنه صُمّم لخدمتهم. هل يعقل أن أطلب من ضيوفي أرقام هوياتهم لتأمين مواقف لهم!
من وجهة نظري، ومن واقع ما يعيشه سكان الرياض اليوم، من الضروري إعادة النظر في هذه المخالفة، سواء من حيث قيمتها أو نطاق تطبيقها أو طريقة احتسابها. المطلوب ليس إلغاء الرسوم، بل تحسينها، وضمان أن تكون جزءاً من حلّ مروري فعّال لا مصدرًا جديداً للشكوى؛ الحل المؤقت ترك الأحياء الداخلية والسكان يبلغون على هاتف مجاني عن من يزعجهم ومواقف الرياض يخالفونه ويغرمونه؛ والله وحب الوطن من وراء القصد.










































