اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ أيلول ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
حضرت قبل أيام لقاء بعنوان 'الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي'، وكان الحضور نخبة من المهتمين بهذا المجال وتطبيقاته وتشريعاته، وعلى رأسهم المهندس ناهض الحربي، الذي صدمنا بعبارة لافتة قال فيها إن عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي انتهى، وبدأ عصر الوكلاء، وهي عبارة بدت في لحظتها حادة، لكنها كلما فكرت فيها أكثر بدت أقرب إلى توصيف واقع بدأ بالفعل، فذكر أيضًا أننا لم نعد أمام أدوات تكتب لنا النصوص أو تولد الصور فقط، بل أمام وكلاء يخططون، وينفذون، ويتعاملون مع الأنظمة والأدوات، ويتخذون سلسلة من الخطوات لتحقيق هدف محدد، بينما يتحول دور الإنسان تدريجيًا إلى تحديد الأهداف، والحوكمة، والإشراف، واتخاذ القرارات الحساسة.
واستمر النقاش حول هذا التحول الذي أمامنا اليوم، فهناك وكيل مالي، وآخر قانوني، واتصالي، وبحثي، وتشغيلي، وهناك وكلاء لخدمة العملاء، وتحليل البيانات، والبرمجة، وإدارة العمليات، بل إن الفرق بين 'المساعد' و'الوكيل' أصبح جوهريًا، فالمساعد ينتظر منك السؤال، أما الوكيل فيستطيع أن يبدأ المهمة، ويقسمها إلى خطوات، ويستخدم الأدوات، ويتابع النتائج، ثم يعود إليك بما أنجزه أو بما يحتاج قرارك فيه، واختتم الحربي حديثه أن هذه القفزة هي التي تجعل المرحلة الحالية مختلفة عن مجرد تطور جديد في الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وبعد عودتي من اللقاء بحثت أكثر في الدراسات الاستشرافية الحديثة، فوجدت أن الحديث لم يعد يتوقف عند الوكيل الفردي، بل يتجه إلى ما يعرف بـAgent Ecosystems، أي منظومات تضم عدة وكلاء متخصصين يعملون ويتواصلون ويتقاسمون المهام فيما بينهم، وهذا الاتجاه تتحدث عنه Deloitte بوضوح، التي ترى أن نمو الوكلاء داخل المؤسسات سيقود إلى الحاجة لبيئات منظمة وآمنة تسمح لهم بالعمل معًا، لأن كل وكيل منفرد قد يؤدي مهمته بكفاءة، لكن التحدي الحقيقي يبدأ عندما يتبادل عشرات الوكلاء البيانات والصلاحيات والقرارات داخل المؤسسة الواحدة.
والأرقام تؤكد أن المسألة لم تعد استشرافًا بعيدًا، فبحسب مسح McKinsey العالمي للذكاء الاصطناعي لعام 2025 فإن 62% من المؤسسات قالت إنها بدأت على الأقل في تجربة وكلاء الذكاء الاصطناعي، و23% أشارت إلى أنها بدأت في توسيع استخدام أنظمة Agentic AI داخل بعض وظائفها، كما تتوقع Gartner أنه بحلول 2028 ستتضمن 33% من تطبيقات البرمجيات المؤسسية قدرات للذكاء الاصطناعي الوكيلي، مقارنة بأقل من 1% في 2024، وأن ما لا يقل عن 15% من قرارات العمل اليومية قد تُتخذ بشكل مستقل بواسطة هذه الأنظمة.
وهنا تبدأ الأسئلة الأصعب، فمن يحكم هؤلاء الوكلاء، ومن يحدد صلاحياتهم، ومن يتحمل الخطأ إذا نفذ الوكيل قرارًا خاطئًا، وكيف نحمي البيانات، وكيف نمنع تضارب الأهداف، وكيف نراجع القرارات التي تتخذها أنظمة تعمل بسرعة تفوق قدرة الإنسان على متابعتها لحظة بلحظة، ولهذا فإن المرحلة القادمة لن تكون سباقًا تقنيًا فقط، بل سباقًا في الحوكمة والتشريع والأخلاقيات، وهو ما يفسر لماذا أصدرت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي 'سدايا' دراسة متخصصة في 2025 تناولت الفرص والتطبيقات الوطنية والتحديات المصاحبة لهذه التقنية.
والأبعد من ذلك أننا نبدأ اليوم في سماع نقاشات حول مجتمعات رقمية ذكية، تعمل فيها منظومات من الوكلاء والأنظمة بصورة شبه مستقلة، ثم يأتي الحديث عن الذكاء الاصطناعي العام AGI، الذي يفترض أن يمتلك قدرات واسعة مشابهة للإنسان في عدد كبير من المهام، ثم الذكاء الفائق ASI، الذي يبقى حتى الآن مفهومًا استشرافيًا وليس واقعًا مثبتًا، ولذلك من المهم ألا نخلط بين ما تحقق فعلًا وما لا يزال في مساحة التوقع والبحث.
ربما كان المهندس ناهض محقًا في جوهر عبارته، فنحن لا نغادر عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي لأنه اختفى، بل لأنه أصبح طبقة داخل عصر أكبر، عصر لا ينتج فيه الذكاء الاصطناعي المحتوى فقط، بل يعمل وينفذ ويتعاون ويقرر، والسؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس ماذا يستطيع الوكيل أن يفعل، بل ماذا سنسمح له أن يفعل، وكيف نبقي الإنسان صاحب الهدف والقيمة والقرار النهائي، لأن التقنية تتقدم بسرعة، لكن نجاحنا لن يقاس بسرعة ما نطوره فقط، بل بمدى حكمتنا في إدارة ما نطوره.










































