اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. م. عصام أمان الله بخاري
تعرض سورة يس في القرآن الكريم قصة الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لنصرة المرسلين ودعوة قومه إلى اتباعهم، إلا أن قومه قتلوه بلا رحمة. وفي سيرة هذا الرجل المؤمن عدد من الدروس القيادية المستلهمة ومنها:
أولًا: القيادة مبادرة وحس بالمسؤولية.. في قوله تعالى: 'وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى' إشارة إلى روح المبادرة وحس المسؤولية العالي، حيث لم تمنع المسافة البعيدة الرجل المؤمن من الحضور، ولم يكتفِ بمتابعة ما يحدث من بعيد. وفي الحياة العملية والمهنية، قد يرى الموظف مشكلة تمس المستفيدين، ثم يصمت بحجة أنها خارج اختصاصه. المبادرة لا تعني تجاوز الصلاحيات، بل إيصال المعلومة واقتراح الحل ومتابعته. أحياناً، تبدأ القيادة بإنسان يقول: لن أترك هذا الخطأ يمر دون محاولة إصلاحه.
ثانيًا: الشجاعة في طرح الأفكار.. أعلن الرجل المؤمن موقفه بوضوح: 'إنّي آمنت بربّكم فاسمعون'. والشجاعة القيادية ليست مخالفة الجميع لإثبات التميز، بل اتخاذ الموقف الصحيح بعد التثبت، وتحمل مسؤوليته ولو غاب التصفيق وكثرت أصوات المعارضين. وقد يحتاج المسؤول إلى شجاعة أكبر ليقول: 'أخطأت'، مما يحتاجه للدفاع عن قرار يعرف أنه لم يعد مناسباً.
ثالثًا: الانتماء رغم الاختلاف.. خاطب الرجل المؤمن عشيرته بقوله: 'يا قومِ'؛ دعاهم من داخل دائرة الانتماء، لا من موقع التعالي عليهم. ويمكن أن نستفيد من ذلك أن نقد المؤسسة لا يستلزم التنكر لها، وأن محبة الفريق لا تعني مجاملة أخطائه. هنالك فرق كبير بين القول: 'لدينا مشكلة نحتاج إلى حلها كفريق بما يخدم المنظمة'، بدلاً من: 'أنتم سبب كل المشاكل وكم حذرتكم ونبهتكم!'. فرق صغير في العبارة، لكنه يغيّر مجرى الحوار والنتيجة المتوقعة منه.
رابعًا: وضوح التواصل ونزاهة المقصد.. قال الرجل المؤمن: 'اتّبعوا مَنْ لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون'. قدّم لقومه سبباً واضحاً لدعوته. وفي الإدارة، لا يكفي أن تطلب من فريقك تنفيذ قرار؛ اشرح لماذا، وما النتيجة المنتظرة، وكيف ستُقاس. وكلما ظهرت المصلحة المشتركة، تقلصت مساحة الشك في الدوافع وتحمس الفريق للمشاركة.
خامسًا: صحة الإجراءات لا تضمن نجاح النتائج.. تم قتل الرجل المؤمن على يد قومه ويأتي في الآيات: 'قيل ادخل الجنة'. وهذه نهاية تدعو إلى مراجعة معنى النجاح: ليست كل خسارة ظاهرة دليلاً على خطأ الموقف. ومع الفارق بين الجزاء الأخروي والتقدير الإداري، فإن من مسؤولية القائد ألا يترك المجتهدين بلا إنصاف، وألا يحكم على جهودهم من نتيجة واحدة، متجاهلاً صدق العمل وصعوبة الظروف.
سادسًا: جمال العفو والتسامي عن الأخطاء.. رغم كل ما لقيه الرجل المؤمن من قومه وقتلهم له، إلا أنه وبعد أن قيل له أن يدخل الجنة كان يقول: 'يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربّي وجعلني من المكرمين'. لم تتحول قصته إلى أمنية للانتقام والتشفي؛ بل رغبة صادقة في نجاة قومه وهدايتهم. وفي عالم القيادة، من الإنصاف والحكمة أن يتم حفظ الحقوق وتتم محاسبة المقصرين، دون إذلال أو ظلم أو تحامل، ودون شخصنة أو إقحام ملفات الماضي في كل قرار جديد.
باختصار، قد تبدأ القيادة من أقصى المدينة، بعيدًا عن المكاتب والألقاب والأضواء.. وقد يكون أعظم نجاحاتك في خطوة صغيرة تبادر بها، وكلمة تصدق فيها، وموقف تثبت عليه، وقلب لا يفقد رغبته في تمني الخير للآخرين حتى حين يسيئون إليه.










































