اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦
لم يكن الطريق إلى توحيد هذه البلاد مفروشاً بالطمأنينة، ولم يكن الوطن الذي نعرفه اليوم قد وُلد مكتمل الملامح، بل كانت الأرض شاسعة والقبائل والمناطق تعيش ظروفاً قاسية، تتنازعها المخاوف وتثقل كاهلها الحاجة، ويغيب عنها كثير من مقومات الحياة المستقرة.
كان الأمن هاجساً يؤرق الناس، والفقر يضيّق عليهم سبل العيش، والأمراض تحصد الأرواح في زمن شحّت فيه وسائل العلاج، وتباعدت فيه المدن والقرى، وتعذّر على الإنسان أن ينظر بعيداً في أفق المستقبل، وهو لا يأمن على حاضره.
وفي تلك الظروف، جاء الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود- طيب الله ثراه- يحمل مشروعاً أكبر من استعادة أرض أو استرداد مُلك، كان يحمل حلماً ببناء وطن يجتمع فيه الناس على راية واحدة، ويجدون في ظلها الأمن بعد الخوف، والاستقرار بعد الاضطراب، والأمل بعد سنوات الشدة.
وحين أدركت القبائل والمناطق أن هذا المشروع لا يقوم على الغلبة وحدها، وإنما يستهدف صناعة مستقبل تتسع فيه مكانة الجميع، التفّت حوله، وسندته بالعزم والرجال، وشاركت في مسيرة التوحيد والبناء. لم تكن تلك المساندة موقفاً عابراً، بل كانت تعبيراً عن تطلع عميق إلى حياة مختلفة، وعن إدراك بأن تفرّق الجهود لا يصنع وطناً، وأن الأمن لا يستقر إلا في ظل دولة تجمع الناس على كلمة سواء.
فقد آمن أولئك الرجال بأن لهم، كما لسائر الشعوب، حقاً في وطن آمن، وحياة كريمة، ومستقبل أكثر إشراقاً. ولذلك لم يكن وقوفهم مع الملك عبدالعزيز مجرد وقوف مع قائد، وإنما كان وقوفاً مع فكرة الوطن، ومع حلم الخروج من واقع قاسٍ إلى وضع كريم.
ومن هنا بدأت الحكاية التي نحتفي اليوم بذكراها، حكاية رجالٍ لم يرضوا أن تبقى بلادهم أسيرة الخوف والحاجة، وقائدٍ عظيم أدرك أن بناء الدولة لا يكون بالسيف وحده، وإنما بتوحيد القلوب قبل توحيد الأرض، وبناء الثقة قبل بناء المؤسسات.
ثم مضت السنوات، وتبدلت الأحوال، واتسعت الدولة، وتتابعت مراحل البناء، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية اليوم دولةً حاضرةً بين دول العالم، ذات مكانة سياسية واقتصادية وإنسانية، ينعم أبناؤها بالأمن والاستقرار، وتتهيأ أجيالها لمستقبل أكثر اتساعاً وطموحاً.
وفي اليوم الوطني، لا نستعيد الماضي لمجرد الحنين إليه، وإنما نستحضره لنعرف قيمة ما تحقق، فحين نتذكر شظف العيش، ندرك معنى الرخاء، وحين نستعيد أيام الخوف، ندرك عظمة الأمن، وحين نتأمل بدايات الدولة المتواضعة، ندرك حجم التحول الذي صنعته إرادة الرجال وتعاقب الأجيال.
إن الوطن الذي نحتفي به اليوم لم يكن هديةً جاءت بلا ثمن، وإنما ثمرة رحلة طويلة من التضحيات والوفاء والعمل. ولذلك يبقى اليوم الوطني أكثر من مناسبة للاحتفال، إنه يوم نتذكر فيه كيف اجتمعت الإرادات على حلم واحد، وكيف آمنت القبائل والمناطق؛ بأن مستقبلها سيكون أجمل حين تجتمع تحت راية وطن واحد.
ومن الوفاء لأولئك الذين صنعوا البدايات أن نحافظ على ما صنعوه، وأن نواصل البناء بالقدر نفسه من العزم الذي حملهم على الوقوف مع الملك عبدالعزيز- رحمه الله- وذلك بمزيد من التعاون والتكاتف، والالتفاف حول القيادة، والحرص على مكتسبات الوطن، والتصدي لكل الأطماع الخارجية والمحاولات الرامية إلى زعزعة أمنه واستقراره، أو النيل من وحدته. فالأمن الذي نعيشه، والرخاء الذي ننعم به، والنماء الذي تشهده المملكة في هذا العهد الزاهر، مسؤولية مشتركة تتطلب وعياً دائماً، ووفاءً صادقاً، وعملاً متواصلاً.
تلك هي قصة الوطن، رجالٌ آمنوا بالحلم، وقائدٌ حمل الراية، وأجيالٌ واصلت الطريق، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية وطناً شامخاً، ومكانةً يعتز بها أبناؤها، ويحضر اسمها بثقلها وتأثيرها بين شعوب العالم.
وكل عام والوطن أكثر أمناً وعزاً وازدهاراً.










































