اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
الفلسفة الوجودية منذ لحظة ميلادها وتداولها في الأوساط الفلسفية لم تأتِ بجديد. لكن ميزتها الكبرى التي تجعلها لا تخبو أنها استطاعت، وبكل شفافية وجرأة، أن تضع تساؤلات الفرد حول سبب مولده وشقائه في الدنيا، وتناقش فائدة التحدِّيات والضغوط التي تلازمه أينما ذهب، وفي جميع مراحل عمره، والتي قد تكون أيضًا ولدت معه، بل ومن المنتظر أنها لن تفارقه، حتى بعد مماته. تلك الشجاعة التي طرحت بها الفلسفة الوجودية هذه التساؤلات، وحاولت التغلُّب على محنة سيطرتها على سلوك الفرد وحالته النفسية من خلال التركيز على تفرُّد الإنسان والتوكيد على إرادته الحرَّة – كانت أيضًا سببًا في اندثار الحديث عنها واعتبارها درباً من الخبل والقصور النفسي. ولهذا تمّ لمرَّات عديدة، سجن هذه التساؤلات، وكذلك أي محاولة صادقة للإجابة عنها. والحال كذلك تنطبق على تحويل مسارها من ضغوط نفسية، إلى نزعة للتفرُّد والإبداع تنبلج في هيئة كتابة أو رسم أو حتى الانغماس في الأنشطة الرياضية. وعلى هذا، يجنح الإنسان الحديث لمعاقرة جميع ألوان الإدمان، مثل إدمان المواد المخدِّرة والمُسكرات وألعاب الفيديو أو الأدولت الرقمية، إلى ما شابه ذلك من سُبُل ضارة من شأنها تقويض ما تبقَّى فيه من عناصر تجعل منه إنسانًا متفرِّدًا قبيل تحويله إلى قناع يتلوَّن من أجل إرضاء الآخرين، من أجل أن يُخفي ما يموج به من إحباطات ومآس نفسية.
والغريب أن الفيلسوف والقائد العسكري والإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس Marcus Aurelius، (26 إبريل 121-17 مارس 180)، قد أجاب عن كل هذه التساؤلات في كتابه الشهير «تأمُّلات» Meditations، بل وأعطى وصفة دقيقة للخروج من جميع المحن التي تضعها الحياة أمام الفرد. لقدّ صنِّف كتاب ماركوس أوريليوس على أنه واحد من أعظم الكتب الفلسفية التي تنتمي للمدرسة الرواقية. وأمَّا الطريف حقًّا، أنه لم يكتب هذه المخطوطة ليتناولها الآخرون على أساس أنها كتاب فلسفي ينتمي للمدرسة الرواقية ينهل منه العامة الأفكار ويتناولونه بالمناقشة والمجادلات، بل كان الغرض الأساسي الذي بذل من أجله ماركوس أوريليوس الوقت لكي يكتب مخطوطته هو أن تكون نبراسًا ومرشدًا لذاته؛ أي قواعد لإيقاظه ووضعه على المسار الصحيح، إذا سقط يومًا تحت وطأة منايا الزمان. ولكن قيمة ما كتبه جعل من مخطوطته واحداً من أهم الكتب الفلسفية، ومن أوائل كُتب تنمية الذَّات العملية التي يحتفي ويسترشد بها الجميع.
وأحد أهمّ المبادئ التي شدد عليها لكي يضمن الفرد سلامته النفسية وقدرته على مواصلة الحياة بصورة صحيَّة كانت «وجوب الحكم على الذَّات وفق المعايير التي تتوافق مع معايير الفرد الشخصية، أو كما قال: «لطالما ألح على خاطري تساؤل، لقد كنت أتعجَّب من حال الإنسان الذي يحب نفسه أكثر من أي فرد آخر، لكنه يرى قيمته في مرتبة دنيا بناء على آراء الآخرين في شخصه». لقد اندهش من أنّ المرء حالما يخبو الثناء على جهوده وشخصه، يتوقَّف عن ممارسة حياته بصورة طبيعية وفق الطريقة التي يعلم أنها تتناسب وإمكاناته.
ولذلك، كان يلفت انتباه نفسه، ويوصي من حوله قبل الوقوع في أي إحباط بسبب الفشل في تحقيق شيء سواء بسبب الخطأ في الحكم، أو بسبب ظروف خارجية، بقوله: «يجب أن تعتبر مقدار الألم الذي يعتصرنا من جرَّاء الغضب والغيظ وعواقبهما؛ لأنه يفوق الأفعال التي أودت بالفرد إلى الوقوع فيما آل إليه من حالة مُزرية، التي يصيبه الغضب والغيظ بسببها»؛ أي أنه كان ينبِّه بأن ردّة فعل العقل تتسبب في ألم يفوق مسببات الألم.
وكما هو معلوم، يوجد الكثيرون في أمسّ الحاجة لتطبيق تلك النصائح عمليًا، وهناك مشاهير أتعسوا أنفسهم ووقعوا فريسة للشقاء. بل إنّ الكثير منهم أنهوا حياتهم بسبب عدم إعطاء أهمية لقيمة حياة الفرد وصحته النفسية، بدلًا من تقدير الذَّات ومحاولة الخروج من المِحَن. ووقع في هذا الفخ الكثير من المشاهير وعظام الكتَّاب والفنانين الذين خلَّدت أعمالهم ذكراهم؛ من أمثال الرسَّام الهولندي فان جوخ، والروائي الروسي نيكولاي جوجول، والكاتب الأمريكي إدجار ألان بو، وغيرهم العديد.
بيد أنَّ من أكثر العقول الإبداعية التي عرفت وفهمت ما تعاني به من علَّة، لكنه لم يستطع الخروج من سجن عقله هو الكاتب الياباني شوجي تسوشيماShuji Tsushima المعروف أيضًا باسمه المستعار أوسامو دازاي Osamu Dazai (1909-1948) الذي ولد في ظروف وفَّرت له جميع سُبُل النجاح في أي شيء قد يبذل فيه ولو أقلّ القليل من الجهد، بيد أنه، على النقيض، اختار الفشل وتدمير الذَّات سبيلًا، وانتهت به الحال إلى إدمان كلّ مادة تدمر العقل والذَّات. أضف إلى ذلك، أدمن الإقبال على الانتحار، إلى أن نجحت آخر محاولة انتحار له، وفارق الحياة وهو في التاسع والثلاثين من العُمر فقط.
فلم يدرك نعمة ميلاده في أسرة شديدة الثراء، وأنَّ والده كان يشغل منصبًا مهمًا في الدولة، وكان يحاول أن يسانده في كل وقت ومهما فعل. وعلى عكس هذا كلّه، لم يكن يرى «أوسامو دازاي» سوى ما يضايقه فقط. كان يرى من الخدم متنمِّرين دمروا حياته، وحينما استرق السمع وعلم والده، لم يعجبه بعض الجمل في خطبة ألقاها وهو تلميذ. بالرغم من أنه أثنى عليه حينما رآه، شعر بإهانة عظمى وأدرك أنه إنسان لا طائل منه. ولهذا السبب، كرَّس حياته لكي يسترضي الآخرين، لكن انتهت به الحال أنه لم ُيرضِ أحداً ولا حتَّى نفسه.
أوعزتْ له نفسه الضعيفة أن يحاول إخفاء ما يشعر به من خلال ارتداء «قناع» معنوي يُخفي ما يموج به من شعور. واهتدى إلى قناع «المهرِّج» الذي يُحاول أن يضع ابتسامة على وجه الجميع ليتناسب مع ما انزلق إليه من شعور بتدنِّي الذَّات. وكلَّما كبُر، صار القناع خانقًا أكثر ولا يخفيه بأكمله. ولهذا، عندما زجّ به صديقه في الجامعة لحياة السُّكر والعربدة، لم يُعارضه، بل تمادى إلى أنّ اتفق هو وزميله على الانتحار غرقًا، لكنّ جماعة من الصيادين أنقذوه في آخر لحظة، بينما فارق صديقه الحياة. والنتيجة، أنه اتُّهم بقتل صديقه، لكنّ نفوذ والده منع المزيد من التحقيقات في قضيته. وكانت العاقبة أن طرده والده من المنزل، وامتنع عن دفع مصروفات جامعته، وتركه ليقاسي بالفعل نتيجة أفعاله، فربما يتعلَّم وجوب احترامه لذاته وتقديرها وعدم رؤيتها من خلال عيون الآخرين. لكن «أوسامو دازو» لم يعِ الدرس، واستمر في حياة من السقوط الحرّ التي صنعت منه بقايا إنسان لا يستطيع أن ينجو من الهوَّة التي حفرها لنفسه. لقد حاول بالأقنعة والإدمان أن يهرب من العار الذي أوقع فيه نفسه، لكنّ طريقه كان زلقًا؛ يسحبه أكثر كلَّما حاول الخروج.
يجب أن يعي أي فرد أن المحن تصنع المعجزات؛ فالعقل مؤهَّل لتحويل العوائق إلى وسائل مساعدة. ولهذا، من الواجب أن يرى الإنسان في المحنة التي تنزل بنا ميزة إضافية، لأنها دافع للكدّ من أجل الخروج من المآزق ومواصلة المسير على الدرب الذي نرسمه في مُخيلتنا لأنفسنا.












































