اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ أيار ٢٠٢٦
د. سوسن العتيبي
إنّ المفاهيم المجملة دون تفصيل، أو المشتركة غير المحددة باستعمال...؛ كلها قد تفضي لسوء فهم وإفهام، وتعمّق هذا الالتباس عند الاحتباس في اللفظ دون الدلالات! وهذا ما حصل لوسم مرحلة تاريخية معاصرة، انطلقت من الغرب، في سياق جدل وصراع حول محلّ العلم والحكمة بين «حداثة» و«قدامة»؛ لدى المتقدمين «كالفلاسفة التقليديين»، أم أنها لم تكتشف بعد «كفلاسفة السيرورة»؟ على إثر تحولات كبرى غيرت ملامح الماضي الأوروبيّ. بقيت «الحداثة» حاملة في بطنها «القدامة»؛ فنشأة الضدّ من معاركة ضدّه توجب تشكّله على ملامح الضدّية، غير أنها ليست ملزمة لكل الأمم، ولا الأزمنة اللاحقة، لكنها شاعت، وقُبلت بعجرها وبجرها.
لم يفرد العطّاس كتاباً عن «الحداثة» فيما أعلم، لكنه أخرج كتباً لمعالجة واقع العلم والمسلمين وعلومهم ومسالك عملهم في ظلّ «الهيمنة الغربيّة»، لتصير الحداثة مؤطّرة لمشاريعه، إن أخذنا بتعريف الحداثة من حيث هي وليدة التحولات الأوروبية المهيمنة على العالم منذ ما سمّوه بعصور التنوير، لتشمل عند العطّاس كل ما انبثق من «الرؤية الكونية الغربيّة» بكل ما فيها من تعارض وتناقضات. وهذا يعني دخول «الليبرالية» و»الماركسية» تحتها. فمنطلق العطّاس النقدي للحداثة، أو «العلمانيّة» تخصيصاً هو «الرؤية الكونيّة» «وقد تقدّمت في قرابة أربع مقالات»، ناقداً للنظم القائمة بعد التشخيص وتحديد محلّ الإخلال بنية أو توظيفاً، ومن ثمّ إصلاحها، وترقيتها، وإن لم تفد إبدالها بخير منها. أي رؤيته للحداثة رؤية تشخيص أولي للرؤية الكونيّة الغربيّة بالرؤية الإسلاميّة في أصل خلق الإنسان وميثاقه مع ربه سبحانه. أمّا وائل حلّاق فرؤيته للحداثة رؤية شيطنة، لا تنطلق من «الرؤية الكونيّة»، وإنما الرؤية الناقدة للحداثة بأدوات معرفية ماركسيّة، وتغافله عن الماركسيّة، مع نظر للأخلاق بنظارة فوكو، مجسّداً القيم في أشكال النظم! وكيف يخلصها من استعمال «ليبرالي-حداثي» معياره «القوة بيد من؟»
وهذه النظرة القاصرة على بنية النظم، وتعبئة الفراغ الميتافيزيقي بمفاهيم مبهمة عن القيم والأخلاق؛ تزوّد طرح وائل حلاق الناقد للحداثة «وفي حقيقته نقد للسلطة على الطريقة الماركسيّة» بقدرة على القبول عند الجماعات الحركيّة في العالم، إسلاميّة أو غير إسلاميّة، توظيفاً للنظام المقترح، أو لنقد النظام القائم لتحقيق مصالح محددة لكل فئة، تعبئ مبادئها بما شاءت، ما دام بعض النقد قد لبّس شعارات مَرْضيّة. أمّا فردّ البنية والشكل لأصوله الميتافيزيقية المنسيّة، لأنّ الشكل فرع. ومن ثمّ لا تسمح فلسفته بالفصل بين «الحداثة» و»ما قبل الحداثة» من نُظم فصلاً حاداً؛ كما فعل وائل حلّاق، وإنما يحدد فوارق النظم بمدى اتصالها بالأسس الميتافيزيقية التي أفرزتها، كإخلال الفصل بين الدنيا والآخرة فصل تضاد «العلمانيّة» «وقد تقدّم في مقالين».
فالعطاس ينطلق من الميتافيزيقيا في أصلها الإيماني الإسلامي الثابت، وحلّاق ينطلق من الأخلاق الفوكويّة؛ التي تؤول إلى «القوّة». والعطّاس يشخص موضع الإخلال في البنى والأشكال التنظيمية الاجتماعيّة والتاريخية وغيرها؛ ليضع كل شيء في محلّه تحت ما سمّاه بـ «العدل»، وما يستتبعه من «أدب» و»حكمة»، أمّا حلّاق فيجسّد الفساد الخُلقي في بنية، والصلاح الخُلقي في بنية، لأن الأخلاق منتج علاقات! والعطاس ينظر للأخلاق نظرة سابقة للتعالق الإنساني-الإنسانيّ، ليرد هذا الفرع من التعالق لأصله الأول في علاقة الإشهاد بين الحق سبحانه وتعالى والإنسان، وحلّاق في توظيفه للشريعة لنقد الحداثة يبين فائدة الأساس الخلقي المتيافيزيقي في الشريعة، وقيمة العدل في نشأة الكون، لكنه عدل يعود أيضاً لقيمة «القوّة»! في مفارقة حادّة بين دلالة «العدل» عند العطّاس ودلالته عند حلّاق، فهو عند العطّاس من الحكمة، في علاقة الإنسان بكل شيء، في حين هي عند حلّاق من علاقة متكافئة بين إنسان وإنسان، وإلا فهي قوّة لا تنتج عدلاً، بل ذاتاً مشوهة بالخطاب وغيره! ومن ثمّ فالعدل تلاشي القوّة عند تعالقِ المساواة.
وأخيراً: يستخدم العطّاس مزيجاً من الأدوات المنهجية الأكاديمية الدقيقة، ومنها اللسانية، والدلالية، مع ما يستثمره من أدوات تراثية، وحداثيّة، إضافة لطريقته الخاصة، في حين يركّز وائل حلّاق على أدوات معرفيّة ماركسيّة أو ذات خلفية ماركسية، ويحدد مصادره المعرفية والآلية في فوكو، وشميت، وكون؛ وهي أدوات أكثرها ما بعد حداثي -حسب تصنيف عام-، خرجت في مفارقة وممايزة بين «الحداثة» و»ما بعد الحداثة» بين تيارين: ليبرالي-رأسمالي وماركسي.










































