اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
أ.د. فهد مطلق العتيبي
في عالم تتسارع فيه الأزمات، وتتسع فيه رقعة الحروب والصراعات الدولية، وتتعرض فيه اقتصادات الدول ومجتمعاتها لاختبارات قاسية، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجًا للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وليس هذا الاستقرار وليد المصادفة، ولا نتيجة ظروف عابرة، بل هو حصيلة تجربة تاريخية ممتدة، وقيادة راشدة، وسياسات متزنة، واقتصاد متين، ومجتمع يجمعه الولاء والانتماء.
لقد أثبتت المملكة، وسط التحولات الإقليمية والدولية المتلاحقة، أن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من موارد وإمكانات فحسب، وإنما بقدرتها على إدارة الأزمات، واستشراف المستقبل، والمحافظة على ثوابتها دون الانغلاق عن المتغيرات. ومن هنا اكتسبت السياسة السعودية مصداقيتها الدولية، القائمة على وضوح المواقف، واحترام الالتزامات، وتغليب لغة الحوار والحلول السياسية على منطق المواجهة والصراع. وفي حال فرض الصراع، نجد المملكة تتعامل معه بشكل يحافظ على المدنيين، والأبرياء.. وتأتي خبرة القيادة السعودية في مقدمة العوامل التي أسهمت في ترسيخ هذا الاستقرار.. فقد استطاعت، عبر تراكم الخبرات السياسية والإدارية، بناء دولة مؤسسات قادرة على التعامل مع التحديات، وتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والتنمية، وبين المصالح الوطنية والمسؤوليات الدولية. كما عززت هذه الخبرة مكانة المملكة بوصفها شريكًا موثوقًا، وصوتًا مؤثرًا في القضايا الإقليمية والعالمية.
أما الاقتصاد السعودي، فقد أصبح أحد أهم مرتكزات الاستقرار الوطني.. ولم تعد قوته مستمدة من موارده النفطية وحدها، بل من التحولات الهيكلية التي تشهدها المملكة في إطار رؤية 2030، وما صاحبها من تنويع للأنشطة الاقتصادية، وتطوير للبنية التحتية، واستقطاب للاستثمارات، وتوسيع لفرص العمل. وهي تحولات تمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة التقلبات الدولية، وتؤسس لمستقبل أقل تأثرًا بالأزمات الخارجية.
غير أن الركيزة الأعمق لهذا الاستقرار تظل في العلاقة المتينة بين القيادة والشعب؛ تلك العلاقة التي تأسست على وحدة المصير، وتعززت عبر الأجيال بالولاء والانتماء والشعور بالمسؤولية المشتركة.. فالمجتمع السعودي، بتماسكه واعتزازه بهويته الوطنية، يمثل قوة داخلية لا تقل أهمية عن القوة السياسية والاقتصادية، بل يشكل الضمانة الأساسية لاستمرار المكتسبات وحماية الوطن من محاولات التأثير والاستقطاب.
ولعل ما يميز التجربة السعودية أن الاستقرار فيها لم يكن نقيضًا للتغيير، بل أصبح شرطًا لنجاحه؛ فالمملكة تمضي في مشروع تحولي واسع دون التفريط في ثوابتها أو تعريض تماسكها الوطني للاهتزاز.. وفي زمن أصبحت فيه الفوضى عنوانًا لمناطق عديدة من العالم، تقدم المملكة درسًا مهمًا مفاده أن الاستقرار لا تصنعه القوة وحدها، وإنما تصنعه الحكمة والمصداقية وحسن الإدارة وثقة المجتمع بقيادته.. وهكذا، فإن استقرار المملكة ليس مجرد حالة نعيشها، بل منجز وطني نعتز به، ومسؤولية تاريخية نشترك جميعًا في صَوْنها.










































