اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ أيار ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
لقد أرست قيادتنا الرشيدة -أيدها الله- ركائز راسخة تضع تمكين المواطنين في صدارة أولوياتها، مؤكدة على أحقية أبناء الوطن في أن يكونوا الخيار الأول والرهان الأهم في مؤسسات الوطن عامة كانت أم خاصة؛ كما لا تفوتني الإشادة بما أنجزته وزارة الموارد البشرية من مبادرات هيكلية وتشريعية طموحة، دفعت بمعدلات التوطين إلى مستويات متدنية، وأسهمت في رسم ملامح سوق عمل أكثر انضباطاً وعدالة؛ غير أن انخفاض معدلات البطالة التي تعلن مؤشراً للنجاح لا تعكس وحدها الصورة كاملة؛ إذ لا تزال ثمة هوة حقيقية بين ما يعرض من أرقام توطين المهن وبين واقع سوق العمل الفعلي، فكثير من الشواغر التي يطرق أبوابها طالبو التوظيف من أبناء الوطن لا تزال حكراً على الكوادر الأجنبية، في تناقض دون المستوى بين ما يصرح به وما تكرسه الممارسات الفعلية؛ غير أن مواطنة التقدير لا تعني مجاملة الواقع، فالغيرة الوطنية تقتضي منا مراجعة ممارسات وسياسات سوق العمل، ونقاشها في إطار النقد البناء المحقق للمصلحة العامة؛ فبيئة العمل في جوهرها يجب أن تكون مصممة لخدمة قوى العمل الوطنية، لا وعاء لاستيعاب فوائض أسواق العمل الأخرى، بل ويجب أن تكون ركيزة لتحقيق تطلعات المواطنين في سوق عمل عادل ومستدام، امتثالاً للتوجيهات السامية.
لكن الواقع لم يتغير بالقدر المأمول، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى؛ فمن ذلك أن إدارات الموارد البشرية، وهي حجر الزاوية في منظومة التوظيف المؤسسي التي بها ترسم سياسات الاستقطاب وتحدد معايير الاختيار، لا تزال في منشآت عديدة موكولة لأيد غير وطنية، في حين أن الأصل فيها القصر على أبناء الوطن؛ ومن ذلك أيضاً مهن بلغ فيها المخرجات التعليمية الوطنية مستوى الاكتفاء والتميز، كالطب والصيدلة والهندسة والمحاسبة والقانون وسواها، إذ أنتجت جامعاتنا في هذه التخصصات كفاءات مؤهلة تأهيلاً علمياً رفيعاً؛ فليس من المنطق في شيء أن تظل مشغولة بكوادر وافدة في ظل وجود أبناء الوطن المستعدين والمؤهلين لشغلها؛ ويزيد الأمر إشكالاً أن بعض القيادات الأجنبية توظف شبكاتها المهنية الضيقة لاستقطاب زملائهم في وظائف مقصورة نظاماً على المواطنين؛ وهو ما يستوجب ألا يترك باب الاستعانة بهم مفتوحاً على مصراعيه دون ضوابط أو سقوف واضحة، إذ سرعان ما تتحول هذه الاستعانة من استثناء تقتضيه الضرورة إلى ثغرة ممنهجة تغذي نفسها بنفسها، فتغلب الولاءات الضيقة على المصلحة العامة، وتتراجع الكفاءة الوطنية أمام المحسوبية المهنية.
إن الغاية من منظومة التوطين لم تكن يوماً رقماً في تقرير أو نسبة تستعرض في إحصاء؛ بل كانت ولا تزال ضماناً لأن يجد المواطن المؤهل مكانه الذي يستحقه في سوق عمل بلده، وهذه الغاية هي جوهر التوجيهات الكريمة التي يجب أن تعمل في ظلها كل جهة دون استثناء؛ وعليه، فإن ما تحتاجه بيئة العمل اليوم هو 'التصحيح الهيكلي' المنضبط، الذي يلزم كافة المنشآت عامة وخاصة على حد سواء، ليس بالنصوص النظامية فحسب، بل بمقتضاها ومقاصدها؛ فالرقابة الفاعلة على تطبيق سياسات العمل، وملاحقة الاستثناءات التي تقوض جهود التوطين الحقيقي، ليست إجراء روتينياً، بل هي التزام ووفاء بتوجيهات قيادتنا الرشيدة -رعاها الله- حين جعلت المواطن في صدر اهتمامها وعين رعايتها؛ فما أُرسي من توجيهات سامية لتمكين أبناء الوطن وتقديمهم لا يكتمل معناه إلا حين يجد المواطن أثره في واقعه اليومي، لا في بيانات تعلن وتطلعات لم تتحقق بعد؛ ولهذا نقول إن منظومة الإصلاح التي تعمل عليها وزارة الموارد البشرية تستحق الاستمرار والتعزيز، والدعم والمؤازرة من الجميع؛ غير أن ذلك كله مشروط بمحاسبة المتحايلين على روح القوانين قبل نصوصها، إذ لا قيمة لإصلاح يصطدم بتقاعس في التطبيق وتساهل مع المخالفة؛ فالسكوت عن الخطأ المتكرر هو ما يحوله إلى أمر واقع يصعب تغييره.










































