اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
د. م. عصام أمان الله بخاري
نُعيم بن مسعود الأشجعي الغطفاني رضي الله عنه صحابي جليل، أسلم في لحظة حرجة من غزوة الخندق، وكانت قريش وغطفان ويهود بني قريظة قد تحالفوا على حصار المدينة. وتذكر كتب السيرة أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: 'إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت'. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :'إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة'. ثم انطلق نعيم إلى بني قريظة، ثم إلى قريش وغطفان، مستثمرًا معرفته السابقة وعلاقاته القديمة لتفكيك الثقة بينهم حيث أوقع بينهم الشك حول الرهائن والوفاء بالعهود. فتفكك التحالف، وضعفت ثقة بعضهم ببعض، ثم أرسل الله الريح والبرد، فانصرف الأحزاب، ونجا المسلمون بفضل الله ثم بحكمة نعيم رضي الله عنه.
وهنالك عدد من الدروس القيادية التي نستلهما من نعيم بن مسعود رضي الله عنه ومنها:
القتال والصراع المباشر ليسا الحل الوحيد: في اللحظات الصعبة، يظن البعض أن الحل الوحيد هو المواجهة المباشرة. هجوم أمام هجوم، تهديد أمام تهديد، تصعيد بتصعيد. لكن القائد الحكيم يعرف أن بعض المعارك لا تُكسب بالصوت الأعلى، بل بالعقل الأهدأ والحكمة والتخطيط السليم. نعيم رضي الله عنه لم يحمل سيفاً ورمحاً، بل حمل دهاء وذكاء وتحرك في المساحات الرمادية بين التحالفات حيث تتشكل الثقة وتنهار.
الاستثناءات مطلوبة في الأزمات: القواعد مهمة والالتزام بالنظام ضروري لكن القائد الذي لا يميز بين الظرف العادي والظرف الاستثنائي قد يطبق الإجراء الصحيح في الوقت الخطأ. وقد جاء في الروايات أن نعيماً طلب الإذن من الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يقول، فكان الموقف محكومًا بغاية كبرى وضابط شرعي واضح. الاستثناء هنا لم يكن فوضى، بل سلاحاً استراتيجياً فعالاً ومؤثراً.
سرية المعلومات أساس للنجاح: أخفى نعيم إسلامه عن قومه، لا ضعفًا ولا ترددًا، بل لأن إعلان المعلومة في الوقت الخطأ كان سيفسد المهمة كلها. ولو استخدمنا لغة اليوم، لقلنا إن الرجل مارس أمنًا معلوماتيًا مبكرًا. ففي عالم الأمن السيبراني، ليست كل معلومة قابلة للنشر، وليست كل شفافية حكمة.
العلاقات استثمار استراتيجي: بعد فضل الله فلولا رصيد العلاقات الشخصية الذي بناه نعيم قبل الأزمة، لما صدقه أحد. كان معروفًا عند بني قريظة، ومقبولًا عند قريش ورجلاً من غطفان. وهنا درس لكل قائد يظن أن العلاقات تُبنى عند الحاجة. الحقيقة أن العلاقات مثل رأس المال، تُجمع في أيام السعة، وتنقذ صاحبها في أيام الضيق.
ختاماً، قصة نعيم بن مسعود رضي الله عنه تطرح سؤالاً مهماً حول تعريف البطل. كان رضي الله رجلًا واحدًا ولم يكن قائد جيش أو مقاتلاً مغواراً، لكنه استطاع بحكمته تغيير ميزان معركة. وفي ذلك تذكير لكل قائد بأن الإنجاز والنجاح لا يقاسان بحجم المنصب والسلطة والنفوذ، بل بقوة الأثر والقدرة على صناعة الفرق في المواقف الصعبة.










































