اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
خسر الجمهوريون سيطرتهم على الكونجرس الأمريكي بشقيه اثر الانتخابات النصفية التي جرت يوم الثلاثاء الماضي. واكتسح الديمقراطيون الانتخابات بفارق كبير سوف يمكنهم من عرقلة قرارات الرئيس ترامب في معظم التشريعات المهمة والتعيينات العليا واقرار الميزانية الاتحادية وتمويل الحروب وتعيينات المحكمة العليا وغيرها من المشاريع التي تتطلب موافقة الكونجرس.
وبالرغم من هذا الزلزال الانتخابي الأزرق الذي امن العدد الكافي لتوجيه اي اتهام للرئيس الا انه لم يصل إلى أغلبية الثلثين اللازمة لعزله، ولا يؤثر على الصلاحيات الممنوحة للرئيس بموجب الدستور الأمريكي.
الأسباب التي أدت إلى خسارة ترامب وحزبه كثيرة ومتنوعة. وبالرغم من أن بعض الرؤساء السابقين قد تعرضوا لحالات متشابهة نوعا ما مثل كلينتون وبوش الابن وأوباما الا ان الهزيمة الجمهورية هذه المرة لها طابع سياسي خاص . فهي من المرات القليلة التي اجتمعت فيها الأسباب الداخلية الأمريكية مع السياسات الخارجية، وادّت جميعها الى ظهور هذه النتائج التي تعتبر فشل لا يستهان به لكل المبادئ التي جاءت بموجبها هذه الادارة.
لا شك أن الوضع الاقتصادي وارتفاع اسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، وارتفاع اسعار المواد الغذائية كانت من الأسباب التي جعلت الناخب الأمريكي يفقد الثقة بسياسات ترامب وإستغل الديمقراطيون هذه الأوضاع بشكل كبير لتحشيد الناخب الأمريكي ضد ترامب وأعضاء حزبه وصارت الاوضاع الاقتصادية المتردية هي العنوان العريض للمرشحين الديمقراطيين. فقد ركز السناتور المنتخب ذو الأصول المصرية عبد المحسن السيد على الاوضاع المعيشية في ولاية ميتشيغان وحاول عدم الانجرار الى مواضيع حاول الجمهوريين جره اليها مثل عرقه ودينه والأوصاف العنصرية الاخرى التي اتهم بها من قبل خصومه السياسين من دون التخلي عن الدفاع عن أصله ودينه ومواجهة الملف الاسرائيلي.
من جهة ثانية، جاءت خسارة ترامب وفريقه جراء تصدع قاعدته الانتخابية التي أوصلته إلى البيت الأبيض قبل سنتين. قفد شهدت حركة MAGA تخلي الكثير من المتحمسين والمؤثرين فيها وتحولهم إلى اشد المنتقدين لترامب وفريقه من أمثال Tucker Carlson و Candace owens الذين اصبحوا يعارضون سياساته الداخلية والخارجية على حد سواء. ولا شك ان خسارة ترامب لعدد لا يستهان به من اعضاء الحركة قد أضعف التماسك السياسي للحركة وفتت التحالف المدني الداعم له وجعل أصوات الاعضاء تتبعثر في هذة الانتخابات الأخيرة.
هنالك ايضا الكثير من الأسباب الداخلية التي ساهمت في الخسارة المدوية لترامب وحزبه مثل أسلوبه المتقلب في كثير من القضايا وخاصة الضرائب الجمركية، وسوء اختيار بعض مرشحيه للمناصب العليا، وطريقة حكمه التي تعتمد على الصفقات بدلا من السياسات والحديث الدائر عن الثروات التي تجنيها عائلته وبعض المقربين منه، فيما يعاني المواطن الأمريكي من سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية جراء سياساته التي تفضل طبقة الأغنياء ورجال الأعمال بدلا من المواطن الأمريكي العادي.
اما على الصعيد الخارجي، فقد كانت الحرب مع ايران وعجز ترامب عن تحقيق نصر حاسم فيها من الأسباب المهمة التي ساهمت في خسارته. ويعتقد الكثير من المواطنين الأمريكان بان الحرب مع ايران لا تصب في مصلحة الولايات المتحدة وكان بالإمكان تفاديها. وجادل الكثير من السياسيين بان الرئيس ترامب خضع لضغوطات اسرائيل ورئيس حكومتها للبدء في شن الحرب تحقق المصالح الاسرائيلية في الدرجة الاولى. وبالرغم من مضى شهور عديدة على الحرب، فقد عجزت الادارة الأمريكية لغاية الآن عن تحقيق الاهداف التي اعلنتها في بداية الحرب فلا انتهى النظام الإيراني ولا انتهى برنامجه النووي ولا زالت قدراته الصاروخية فعالة وما زالت الولايات المتحدة عاجزة عن فتح مضيق هرمز مما اعطى الانطباع للناخب الأمريكي بعبثية هذه الحرب وضرورة معارضة السياسة المتبعة بخصوصها.
ولكن يجب التنويه بان كثيرا من الديمقراطيين يعارضون برنامج ايران النووي وقدراتها التسليحية ولا يحبذون التعامل مع نظام يقمع الحريات والأقليات وهذا الباب قد يعطي الرئيس ترامب الذريعة لاستئناف الحرب وتصعيدها إذا ما وجد بان هذا الأمر سيجعل الرأي العام الأمريكي يصطف خلفه مما يشكل عونا له في نزاعاته المحتملة مع الأغلبية الديمقراطية في الكونجرس.
اما القضية التي يجب التوقف عندها والتي لا يمكن تجاهل تأثيرها في هزيمة ترامب وحزبه فهي المجازر التي تم ارتكابها في غزة ضد الأطفال والنساء والشيوخ بأسلحة أمريكية والقنابل الثقيلة وتأييد سياسي أمريكي من قبل ادارة ترامب. فقد خدشت المشاهد القاسية التي شاهدها الأمريكيون الضمير الأمريكي. وفتحت عيون المواطن الأمريكي على قوة وسيطرة اسرائيل واللوبيات التابعة لها على السياسة الأمريكي تجاة مشكلة الشرق الأوسط.
وعلى عكس الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على ايران فقد كانت الحرب على غزة ضد المدنيين العزل والأطفال والمستشفيات التي استهدفتها إسرائيل تبث مباشرة على وسائل التواصل ويراها المواطن الأمريكي على حقيقتها فيما الحرب على ايران هي بين جيشين نظاميين والأهداف المنتقاة ذات طابع عسكري بعكس ما جرى في غزة.
لقد بدأ التحول التدريجي للناخب الأمريكي نحو رفض سياسة ادارة ترامب إبان حرب غزة بين الكثير من فئات الشعب الأمريكي وطلاب الجامعات هناك وجيل 2 بعد مشاهدة تأييد الادارة ومعظم اعضاء الكونجرس لاسرائيل. وبحسب استطلاع مركز غالوب في بداية عام ۲۰۲٦ ولأول مرة في تاريخ استطلاعات المركز، فقد حصل الفلسطينيون على نسبة ٤١ بالمئة من التعاطف المباشر من الأمريكيين مقارنة ب ٣٦ بالمئة حصل عليها الاسرائيليون.
ليس بالضرورة ان كل من صوت ضد ترامب كان بسبب غزة او ضد إسرائيل. ولكن تسلسل الاحداث يشير إلى أن التعاطف مع الفلسطينيين كان متواضعا في بداية حرب غزة بل كان متعاطفا مع القتلى الاسرائيلين يوم السابع من اكتوبر ، ولكن تطور مجريات الحرب والقسوة والتوحش الذي مارسه الجيش الاسرائيلي والتنكيل بالأطفال والشيوخ والمواطنين العزل جعل من التعاطف الأمريكي مثل كرة الثلج التي ظلت تتدحرج حتى وصلت إلى صناديق الاقتراع.
كما تكشف لدى الناخب الأمريكي الدور الذي تلعبه منظمة الايباك في الضغط والتأثير على اعضاء الادارة وأعضاء الكونجرس لدرجة أثارت استياء ونقمة الكثير من الناخبين الأمريكيين تم ترجمتها في الانتخابات الاخيرة. وقد تغافلت ادارة ترامب عن ملاحظة هذا التحول الذي بدأ يكبر داخل الولايات المتحدة واعتقدت بان الأمور تسير كالمعتاد غير مكترثة لتحول وانفتاح الناخب الامريكي على معاناة الشعب الفلسطيني. وبدأت في محاربة اي جهة تبدي تعاطفا مع الضحايا مما أثار حفيظة جزء كبير من المجتمع الأمريكي تم ترجمته إلى التعبير عن رفض الناخب الأمريكي لسياسة بلاده عبر | احداث التغيير الأخير ويمكن القول بان خسارة الجمهوريين لهذه الانتخابات قد كشفت مقدار التحول التي ساهمت غزة في احداثه وتعميقه لدى الناخب الامريكي.
لقد اثبت هذه الانتخابات ان الصوت الانتخابي للمواطن الأمريكي سيبقى اقوى من المال السياسي للمنظمات الموالية لاسرائيل او لغيرها من جماعات الضغط . وان الأموال التي وضعتها ايباك لنصرة مؤيديها من المرشحين لم تحقق النتائج المرجوة. وأصبح تلقي المساهمات الانتخابية من ابياك يلاحق المرشحين حتى تبرأ الكثير منه من تلقي الأموال من ايباك كما صرح السناتور المنتخب عن ولاية تكساس جيمس تالاريكو بعدم تلقيه اي دعم مادي من منظمة ايباك.
واثبتت الانتخابات ايضا ان مصلحة الولايات المتحدة بالنسبة للناخب الاميركي هي في اتخاذ بلاده موقفا اکثر عدلا دون تاثير الضغوطات التي تمارسها الجماعات المؤيدة لاسرائيل والرسالة السياسية لنتائج الانتخابات أوضحت بانه لا يمكن الرئيس الولايات المتحدة ان يتحالف مع من تلاحقهم تهم ارتكاب الإبادة وان يضرب بعرض الحائط بالقيم والاخلاق التي قامت عليها الولايات المتحدة>
لم يخسر الرئيس ترامب الانتخابات فقط ولكنه خسر قسما كبيرا من مؤيديه وخسر معاقل انتخابية للجمهوريين منذ عقود مثل ولاية تكساس وولاية ساوث كارولينا وغيرها من الولايات بما يشير الى تحول انتخابي غير مسبوق منذ عقود خلت. وبات من المتوقع أن يمضي بقية فترته الرئاسية في سجال ونزاع سياسي مع الكونجرس دون تحقيق إنجازات تذكر على الصعيد الداخلي. اما خارجيا، فقد اضر تحالفه مع نتنياهو بصورته امام الناخب الأمريكي، وخرج الاثنان بخسائر سياسية واضحة حيث أدت بالحليف الاكبر ليصبح Lame Duck President ( البطة العرجاء) بينما الحليف الأصغر غدا عاجزا عن تأليف حكومة للاستمرار في بطشه وعدوانه.












































