اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
دَرَجَ البلاغيون في معرض أمثلتهم وشواهدهم على استعمال عبارات كثيرة تدل على التشبيه، أو الاستعارة، أو الكناية، أو المجاز، فمن ذلك مثلاً قولهم في وصف الكريم الذي عُرف بالجود بأنه (كثيرُ الرُّمَادِ)، وقولهم لغزير العطاء: هو بحرٌ، ولشديد البأس: هو أسدٌ، وقولهم في أوصاف تشبيهية أخرى لمن يمتدحونهم: «أنت كالبحر في السماحة، وكالشمسِ في الضياء»، وكانوا يضربون الأمثلة في المجاز من قبيل: «رعت الماشية الغيث»، يريدون بذلك المثال أن الماشية ترعى العشب أو الكلأ الذي سببه – بعد الله – الغيث.
وقد أَكَّد الشعراء العرب منذ القديم على كثير من الأمثلة البلاغية التي امتدّ استعمالها فيما بعد، حيث تجلّت من خلال تلك الشواهد جماليات عديدة تزيّنت بها قصائدهم، وظل أثرها مستمراً، كقولهم مثلاً: «إنَّ السماحةَ والمروءةَ والندى ... في قبةٍ ضُرِبت على ابنِ الحشرجِ»، فجعل الشاعر هنا الكرم متوجّهًا إلى المكان الذي يُظِلُّ الممدوح، ويرمز إليه، تقديراً وتوقيراً. وكذا كانت الخنساء في كناياتها المعروفة في رثاء أخيها صخرًا، حين قالت: «طويل النجاد رفيع العماد ... كثير الرماد إذا ما شتا»، فوصفت أخاها بأنه كريم جواد.
إن رسم صورة الكثرة في بيت الخنساء هو رسم لصورة الكرم؛ ذلك أن الرماد المتحول من كثرة إحراق الحطب تحت القدور، إنما يشير إلى كثرة الأضياف الذين يفدون على ذلك الجواد، كما أن صورة النيران التي تُوقد كثيراً من أجل الاستعداد للضيوف، ترسّخ معنى الاهتمام بالضيف، والاحتفاء به. وليس الأمر غريباً هنا على العربي الذي عُرِف بكرمه وجوده، فكثرة الرماد، وكثرة النار، هي كنيات عن الكرم، ولطالما تغنّى العرب بهذه الرمزية في أشعارهم، من قبيل: «مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مَوْقِدِ»، وهنا تصبح النار علامة على الكرم، والعطاء، غير أن ما ينبغي التنبه له أن هذه الصور والمعاني أخذت تستمر عبر العصور المتعاقبة.
ولنؤكد على مسألة الاستمرارية للمثال البلاغي فإننا اليوم نشاهد كثيراً من الناس يستخدمون هذا الأثر البلاغي في كثير من الاستعمالات الأدبية، واليومية، سواء في الشعر العربي الفصيح، أم في الشعر العربي العامي، فمثلاً يطلق بعض عامتنا أوصافاً على الإنسان الكريم ذات امتداد بلاغي قديم، وذلك من قبيل: «فلان شبّاب نار»، أي كثير الكرم، وذلك أنه يوقد لأضيافه كثيراً، ويقول آخرون مثلاً عن الكريم: «فلانٌ فاتح بابه»، أي أنه كثير الضيافة لمن يطرقون بابه، ومما سمعته من بعضهم أن بعض أهل البادية إذا أراد أن يمتدح شخصاً كريماً قال: «فلان يقطر زيته»، أو «تنقط دهنته»، أي أنه كثير الطبخ لأضيافه، وهذا من البلاغة الممتدة، وهو شبيه بالأمثلة التي ذكرنا، وهو كناية عن كرمه وجوده.
ومما رصدته من أمثلة بلاغية قد تتشابه أو تتناص مع القديم قولهم عن بعضهم في صبره وهدوئه: «فلان دهناء»، أي أنه يتميز بسعة الصدر، وطول البال، أو أنه هيّن لين، وقد وجدتُ أثراً من هذا في الشعر عند ابن الرومي في قوله: «وحكتك الصمان في سعة الصد ... رِ، وإن كان صدرك الدهناء»، ويظهر أن هذا التعبير في تأثيره البلاغي ربما يلتقي مع العبارة اليومية الدارجة عند بعضنا اليوم؛ لأنه يرمز إلى الاتساع، والقدرة العالية على تحمل الأسرار والهموم، وكأن الصدر يشبه صحراء الدهناء في امتدادها، وبذلك يصبح المثال البلاغي القديم ممتداً في استعمالاته الأدبية، وغير الأدبية، كما أنه يصبح أكثر تطوراً عبر الزمن.










































