اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
أ.د. هاشم بن عبدالله النمر *
تُعد صناعة الطيران والملاحة الجوية شرياناً حيوياً للتنمية الاقتصادية، لما توفره من إيرادات مالية وفرص استثمارية، من خلال مبيعات التذاكر، ورسوم المطارات والخدمات الأرضية واستخدام المجال الجوي، فضلاً عن صناعة الطائرات وصيانتها. كما تسهم في دعم قطاعات السياحة والتجارة والشحن والخدمات اللوجستية، وتعزيز الناتج المحلي للدول.
وفي ظل التصعيد العسكري والتهديدات الأمنية التي تستهدف المنطقة، تبرز التداعيات الاقتصادية للهجمات المنسوبة إلى ميليشيا الحوثي، وما قد ينتج عنها من تعطيل للعمليات الجوية في مطار الملك خالد الدولي بالرياض وبعض المطارات الأخرى. وتشير تقديرات اقتصادية وردت في التقارير المشار إليها إلى أن خسائر قطاع الطيران السعودي قد تبلغ نحو 170 مليون ريال يومياً، بما يشمل الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي تطال شركات الطيران والمطارات والسياحة والأعمال والشحن الجوي وسلاسل الإمداد، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين والحماية والوقود نتيجة تغيير مسارات الرحلات. كما امتدت التداعيات إلى سوق الأسهم السعودي «تاسي»، الذي سجل تراجعاً بنسبة 0.7%، وفقاً للأرقام المذكورة.
ومن المهم التأكيد أن ميليشيا الحوثي لا تمثل الحكومة اليمنية الشرعية، ولا يجوز الخلط بينها وبين الشعب اليمني الذي تواصل المملكة دعمه اقتصادياً وإنسانياً. فقد تجاوز الدعم السعودي لليمن 13 مليار دولار خلال الفترة من 2012 إلى 2026، وفقاً للبيانات الواردة، بهدف دعم الاقتصاد وإعادة الإعمار وتقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية وتأمين الخدمات الأساسية.
وأمام هذه التحديات، تبرز ضرورة انتقال الجهات المعنية بتنظيم قطاع الطيران في المملكة من خطط الطوارئ التشغيلية إلى استراتيجيات مرنة ومستدامة لإدارة المخاطر، بما يحد من الخسائر ويضمن استمرارية الخدمات في حال امتداد الأزمات.
وتشمل أبرز الحلول الاستراتيجية تفعيل المطارات البديلة، مثل مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة ومطار الأمير محمد بن عبدالعزيز بالمدينة المنورة، وفقاً لمتطلبات السلامة والقدرة التشغيلية، إلى جانب تعزيز الشراكات مع شركات الطيران الإقليمية والدولية لتوفير نقاط عبور بديلة ومسارات جوية آمنة. كما يمكن إعادة جدولة النفقات الرأسمالية غير الضرورية، وتأجيل بعض خطط التوسع، وتأجير الطائرات غير المستغلة أو توظيفها في أسواق بديلة، وتعزيز رحلات الشحن الجوي لتعويض جانب من خسائر نقل الركاب.
ومن الضروري أيضاً التفاوض المبكر مع شركات التأمين وإعادة التأمين للحد من ارتفاع أقساط مخاطر الحرب، ومراجعة العقود التشغيلية والاستفادة من بنود القوة القاهرة عند انطباق شروطها. كما ينبغي توفير خيارات مرنة للمسافرين، تشمل إعادة الحجز دون رسوم أو الاحتفاظ بقيمة التذاكر كقسائم سفر وفقاً للأنظمة والسياسات المعتمدة، مع تفعيل أنظمة رقمية لإبلاغهم بالتغييرات قبل توجههم إلى المطارات. ويُعد التكامل بين النقل الجوي والبري مهماً لضمان وصول الأدوية والأغذية والسلع الأساسية إلى المناطق المتأثرة.
وتوفر التجارب الدولية، ومنها تجربة قبرص بعد إغلاق مطار نيقوسيا عام 1974، وتجارب ليبيا في تحويل الرحلات إلى مطارات بديلة خلال النزاعات، دروساً مهمة حول أهمية تنويع مراكز التشغيل وتطوير البدائل.
ختاماً، فإن تعزيز مرونة صناعة الطيران السعودي يتطلب تخطيطاً استباقياً وتنسيقاً مؤسسياً وتوزيعاً مدروساً للمخاطر، بما يحمي الاقتصاد الوطني من الخسائر المتفاقمة، ويحافظ على ثقة المسافرين، ويضمن استمرارية حركة النقل الجوي والخدمات اللوجستية في مختلف الظروف.
أكاديمي ومحلل اقتصادي*
X : @Dr_AlNemerH










































