اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
رياض عبدالله الحريري
يقف الكاتب اليوم على مفترق طرقٍ لم يكن يعرفه الكتّاب من قبله، مفترقٌ بين نصٍّ يُصاغ لغايةٍ محددة سلفًا، يخدم هدفًا تجاريًا أو تسويقيًا أو وظيفيًا بحتًا، وآخر يُكتب استجابةً لنداءٍ داخلي، لا يعرف وجهته إلا حين يصل إليها، وهذا المفترق، رغم بساطته الظاهرية، يحمل في عمقه سؤالًا عن جوهر الكتابة نفسها، عن غايتها الأولى، وعن ثمنها الذي يدفعه الكاتب حين يختار أحد الطريقين.
المحتوى الموجَّه يشبه رسالةً واضحة المعالم، تعرف من تخاطب قبل أن تُكتب كلمتها الأولى، وتعرف ما تريده من ذلك المخاطَب بالتحديد، إقناعه بفكرة، أو دفعه لفعل، أو تعريفه بمعلومة يحتاجها، وهذا النوع من الكتابة له حكمته الخاصة، وأدواته الدقيقة، ولا ينقص من قيمته أنه محسوب سلفًا، فبناء رسالةٍ تصل بوضوح إلى قلب من تخاطبه، فنٌّ لا يقلّ صعوبةً عن أي فنٍّ آخر، يحتاج فهمًا عميقًا للنفس البشرية، ودقةً متناهية في اختيار الكلمة المناسبة للحظة المناسبة.
أما المحتوى الإبداعي، فيسير على درب مختلف تمامًا، لا يبدأ من غايةٍ محددة، بل من دهشةٍ داخلية، من سؤالٍ يُلحّ على صاحبه حتى يجد له مخرجًا في الكلمات، وهذا النوع من الكتابة يمنح صاحبه حريةً أوسع، لكنها حريةٌ مسؤولة، تطلب منه أن يثق بحدسه، وأن يتبع الفكرة إلى حيث تقوده، دون أن يعرف بالضرورة أين ستنتهي رحلتها، وهذا الغموض في الوجهة، هو بالتحديد ما يمنح النص الإبداعي حيويته، تلك الحيوية التي يفتقدها أحيانًا النص المحسوب بدقة.
والحقيقة أن كثيرًا من الكتّاب يعيشون توترًا حقيقيًا بين هذين العالمين، فمن اعتاد الكتابة الموجَّهة، يجد نفسه أحيانًا عاجزًا عن إطلاق العنان لخياله حين يحاول الكتابة الإبداعية، إذ تظل عادة التخطيط المسبق تُلاحقه، بينما من اعتاد الكتابة الإبداعية، قد يجد صعوبةً في الانضباط الذي تتطلبه الكتابة الموجَّهة، إذ يشعر بأن القيود تخنق تدفقه الطبيعي، وهذا التوتر، على إرهاقه، مفيدٌ في جوهره، لأنه يدفع الكاتب إلى تطوير مرونةٍ حقيقية بين النمطين، بدلًا من التمسك بواحدٍ فقط.
ولعل أنضج ما يصل إليه الكاتب، أن يكتشف أن هذين النوعين ليسا نقيضين متصارعين، بل وجهين لعملةٍ واحدة، إذ يمكن للمحتوى الموجَّه أن يحمل روحًا إبداعية حين يُصاغ بذكاء وجمال، ويمكن للمحتوى الإبداعي أن يحمل قصدًا موجَّهًا خفيًا دون أن يفقد عفويته، فأعظم النصوص التي خلّدها التاريخ، غالبًا ما جمعت بين الاثنين، بين غايةٍ واضحة وروحٍ حرة تسكنها.
وفي هذا التداخل بين الغاية والحرية، تكمن حكمةٌ أعمق عن طبيعة الإبداع الإنساني عمومًا، فالفنان الحقيقي لا يرى تناقضًا بين أن يخدم غرضًا وأن يبقى صادقًا مع فنه، بل يجد في هذا التوازن دقيق ذاته، توازنًا يمنح عمله قيمته المزدوجة، نفعه الملموس وأثره الجمالي معًا.
يُقال إن القراءة تصنع الإنسان الكامل، والكتابة تصنع الإنسان الدقيق، وهذه المقولة تكشف عن جوهر ما يحتاجه كل كاتب يتنقل بين هذين العالمين، من دقةٌ تخدم الغاية حين يتطلبها النص، وامتلاءٌ إنساني يمنح الكلمة روحها حين تتطلب الفرصة ذلك.
ختامًا: الكتابةُ التي تخدم غايةً، لا تقل شرفًا عن تلك التي تحلّق بلا وجهة، فمن أتقن الجمع بينهما، امتلك مفتاحين لباب واحد، باب التأثير الحقيقي في من يقرأ.










































