اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٥ حزيران ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
مع اتساع حجم النشاط الخيري وتعدد وسائله تبرز الحاجة لبرامج توعوية مستمرة تبسط للناس طرق التبرع الصحيحة وتوضح لهم كيفية التحقق من الجهات المرخصة والقنوات الرسمية المعتمدة.. فالمعرفة تبقى من أقوى وسائل الحماية وتمنح المتبرع قدرة أكبر على اتخاذ القرار السليم بعيدًا عن التأثر بالعاطفة العابرة أو الرسائل المجهولة..
يمثل العمل الخيري واحداً من أكثر المجالات التصاقاً بقيم المجتمع وروح التكافل بين أفراده. وقد ارتبط في الوعي العام بمعاني الرحمة والعطاء ومساندة المحتاجين وتخفيف معاناة الفئات التي تحتاج إلى الدعم. ولهذا اكتسب مكانة رفيعة تقوم في جوهرها على الثقة والاطمئنان إلى أن المال يصل لمستحقيه ويحقق الغاية التي من أجلها قدمه المتبرع.
ومن هذا المنطلق جاء ما ذكره معالي وزير الشؤون الإسلامية من عدم رضاه عن بعض الممارسات المرتبطة بجمع التبرعات واستغلال مواسم الخير والعواطف الصادقة لدى الناس. فالقضية لا تتعلق بالتبرع نفسه بوصفه قيمة نبيلة وممارسة اجتماعية راسخة بل بما قد يرافقه من فوضى وتوسع غير منضبط في طلب الأموال واستثمار المناسبات الدينية والإنسانية بصورة تتجاوز المقاصد الحقيقية للعمل الخيري.
وخلال السنوات الماضية برزت ظاهرة لافتة تتمثل في تزايد الحملات والرسائل والإعلانات التي تتنافس على الوصول إلى المتبرع عبر مختلف الوسائل. وأصبح المواطن يتلقى كماً هائلاً من الدعوات التي تطلب الدعم والمساهمة حتى بات من الصعب في بعض الأحيان التمييز بين الجهات الموثوقة وغيرها. وهذا الواقع خلق حالة من التشويش والانشغال وجعل العمل الخيري عرضة لممارسات قد تسيء إليه أكثر مما تخدمه.
وتزداد المشكلة تعقيداً مع ما يتردد أحياناً عن وجود جهات تجمع الأموال دون تصاريح نظامية أو تستغل أسماء مؤسسات معروفة أو تقدم نفسها بصفات لا تملكها فعلياً. وقد يؤدي ذلك إلى توجيه أموال الناس إلى مسارات غير واضحة أو إلى أغراض لا تتفق مع ما أعلن عنه. والخسارة هنا لا تقتصر على المال فقط بل تمتد إلى فقدان الثقة وتشويه صورة القطاع الخيري وإضعاف مكانة الجمعيات الجادة التي تعمل وفق الأنظمة وتسعى إلى خدمة المجتمع بوسائل مشروعة ومنظمة.
وفي هذا السياق لا يمكن إغفال دور بعض وسائل الإعلام والمنصات الاتصالية التي تسهم أحياناً في زيادة هذا الازدحام من خلال التوسع في نشر الإعلانات والمواد الترويجية المتعلقة بالتبرعات دون تمحيص كافٍ أو تحقق دقيق من الجهات المعلنة. فالمسؤولية الإعلامية لا تقف عند حدود النشر بل تشمل التثبت من سلامة المحتوى وحماية الجمهور من الوقوع ضحية لمعلومات مضللة أو حملات غير نظامية. كما أن التنافس الإعلاني قد يحول بعض الرسائل الخيرية إلى نشاط تسويقي مكثف يفقدها جزءاً من رسالتها الإنسانية ويجعل المال هو العنوان الأبرز بدلاً من الغاية التي وجد العمل الخيري من أجلها.
وتحمل البنوك كذلك مسؤولية مهمة في هذا الملف بحكم أنها المنفذ المالي الذي تستقبل من خلاله التبرعات، فوجود حساب مصرفي لا ينبغي أن يكون وحده كافياً لمنح الثقة الكاملة بل يجب أن يصاحبه تحقق مستمر من سلامة الجهة المستفيدة ومشروعية نشاطها والتزامها بالأنظمة المعتمدة، وكلما ارتفع مستوى الرقابة المالية وازدادت دقة إجراءات التحقق تقلصت فرص الاستغلال وسوء الاستخدام.
ومع اتساع حجم النشاط الخيري وتعدد وسائله تبرز الحاجة إلى برامج توعوية مستمرة تبسط للناس طرق التبرع الصحيحة وتوضح لهم كيفية التحقق من الجهات المرخصة والقنوات الرسمية المعتمدة، فالمعرفة تبقى من أقوى وسائل الحماية وتمنح المتبرع قدرة أكبر على اتخاذ القرار السليم بعيداً عن التأثر بالعاطفة العابرة أو الرسائل المجهولة.
كما تبدو الحاجة ملحة إلى استحداث تنظيم أكثر شمولاً وانضباطاً تشارك في بنائه ومتابعته وزارة الشؤون الإسلامية والجهات المالية والبنوك ووسائل الإعلام والجهات الرقابية ذات العلاقة. ويقوم هذا التنظيم على وضوح الأدوار وتكامل المسؤوليات وتبادل المعلومات والرقابة المستمرة والتعامل السريع مع المخالفات والتجاوزات. فالقضية لا تخص جهة بعينها بل ترتبط بمنظومة كاملة تتطلب العمل المشترك لحماية سمعة العمل الخيري والمحافظة على رسالته.
ويبقى القول: إن المحافظة على نقاء العمل الخيري لا تعني التضييق على الخير ولا الحد من العطاء؛ بل تعني حماية هذه القيمة العظيمة من العبث والاستغلال وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين. وكل جهد يبذل في تعزيز الشفافية والرقابة والتوعية هو استثمار في ثقة المجتمع وحماية لمكانة القطاع الخيري وصورته الذهنية حتى يبقى مجالاً نبيلاً يعبر عن أجمل ما في المجتمع من تلاحم ومسؤولية وإنسانية.










































