اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ تموز ٢٠٢٦
د. مها الدخيل
لكل عصر ثروته التي يتنافس الجميع على امتلاكها، فبعد أن كان الذهب ثم النفط عنوانَي القوة والنفوذ في السنوات السابقة، أصبحت البيانات (Data) الثروة الأكثر قيمة وتأثيرًا في هذا الوقت. فهي لا تمنح الأفضلية الاقتصادية فحسب، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في الأمن القومي، وصناعة القرار، والتأثير السياسي، الأمر الذي فتح الباب أمام نوع جديد من التنافس الدولي يُعرف بـ»استعمار البيانات».
فخلال السنوات الأخيرة، تحولت البيانات إلى مورد استراتيجي لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية، فكل عملية شراء إلكترونية وكل بحث عبر الإنترنت، وكل استخدام لتطبيقات الهواتف الذكية، يولد كماً هائلاً من «المعلومات» التي يمكن تحليلها واستخلاص أنماط دقيقة منها، ومع تزايد الاعتماد على التقنيات الرقمية في مختلف جوانب الحياة، أصبحت الدول والشركات تتسابق للحصول على هذه «البيانات» والاستفادة منها، لأنها تمثل اليوم مصدراً للقوة والنفوذ والقدرة على التأثير.
ومن هنا ظهر مفهوم «استعمار البيانات» الذي يعبر عن شكل جديد من أشكال الهيمنة، يعتمد على السيطرة على المعلومات بدلاً من السيطرة على الأراضي. ففي الماضي كانت القوى الكبرى تتوسع لفرض نفوذها على الموارد الطبيعية، أما اليوم فإن المنافسة تدور حول جمع البيانات وتحليلها واستثمارها لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية وأمنية. لقد تغيرت أدوات السيطرة، لكن الهدف بقي كما هو؛ فمن كان يعتمد على السفن والجيوش أصبح يعتمد اليوم على الخوادم الالكترونية العملاقة والمنصات الرقمية وشركات التكنولوجيا العالمية.
وبالتالي تظهر مشكلة (التبعية الرقمية) إذ تعتمد دول كثيرة على بنى تحتية تقنية مملوكة لشركات أجنبية خارجية، سواء في خدمات الحوسبة السحابية أو مراكز البيانات أو المنصات الرقمية. ولا يقتصر هذا الاعتماد على التطبيقات التجارية أو وسائل التواصل الاجتماعي، بل يمتد إلى قطاعات حيوية تشمل الصحة والتعليم والاتصالات والخدمات الحكومية، بل وحتى بعض الأنظمة الأمنية والعسكرية، وهو ما يجعل جزءاً مهماً من البيانات الوطنية خارج السيطرة المباشرة للدولة.
وتزداد المخاوف عندما تُخزن البيانات في مراكز تقع خارج حدود الدولة، لأنها تصبح خاضعة لقوانين وتشريعات تختلف عن القوانين المحلية، وقد يسمح ذلك بالوصول إليها أو استخدامها في ظروف معينة دون موافقة الدولة المالكة لها. كما أن هذا الواقع يشكل تحدياً مباشراً لحماية الخصوصية، وأمن المعلومات، ومدى قدرة الحكومات على فرض سيادتها على بيانات مواطنيها.
ولا تتوقف القضية عند مكان حفظ البيانات، بل تمتد إلى كيفية إدارتها، فالمنصات الرقمية تعتمد على خوارزميات معقدة تتحكم في المحتوى الذي يصل إلى المستخدمين، وتحدد ما يشاهدونه وما يتفاعلون معه، وهذا يمنح تلك المنصات قدرة كبيرة على تشكيل الرأي العام والتأثير في توجهات المجتمع، وهو نفوذ قد يتجاوز في بعض الأحيان تأثير وسائل الإعلام التقليدية، ويجعل البيانات أحد عناصر الأمن القومي للدول.
وفي الوقت نفسه، أصبحت البيانات أداة رئيسة في مجالات الاستخبارات والتأثير السياسي. فمن خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، يمكن دراسة سلوك الأفراد والتنبؤ بقراراتهم، بل وحتى التأثير فيها عبر الرسائل والإعلانات والمحتوى الموجه. وقد أثبتت العديد من التجارب أن البيانات لم تعد مجرد معلومات محفوظة في قواعد إلكترونية، بل أصبحت وسيلة فعالة للتأثير في المجتمعات وصناعة الرأي العام.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد منحت البيانات شركات التكنولوجيا العملاقة قوة غير مسبوقة، فكلما زادت كمية البيانات التي تمتلكها الشركة، ازدادت قوتها وازدادت قدرتها على تطوير خدماتها، واستهداف العملاء بدقة، والتوسع في الأسواق.
وفي المقابل، تجد الشركات المحلية صعوبة في منافسة هذه الشركات، بسبب الفارق الكبير في الإمكانات التقنية وحجم البيانات المتاحة، الأمر الذي يؤدي إلى اتساع الفجوة الرقمية بين الدول.
ومع تصاعد التوترات الدولية، أصبح الفضاء السيبراني ميداناً جديداً للصراع، فالهجمات الإلكترونية تستهدف اليوم شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والمطارات والمؤسسات المالية والجهات الحكومية، وقد تتسبب في تعطيل خدمات أساسية دون إطلاق رصاصة واحدة. وهذا يؤكد أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أصبحت التكنولوجيا والبيانات جزءاً أساسياً من أدوات الصراع.
وأمام هذه التحديات، أصبح تعزيز (السيادة الرقمية) ضرورة استراتيجية تتطلب إنشاء مراكز وطنية لحفظ البيانات داخل الدولة، وتطوير بنية تحتية رقمية مستقلة، والاستثمار في الكفاءات الوطنية المتخصصة في الأمن السيبراني وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي. كما يتطلب سن تشريعات حديثة تنظم جمع البيانات واستخدامها، وتحمي خصوصية الأفراد، وتحدد مسؤوليات الشركات التي تتعامل مع المعلومات الحساسة.
وفي الوقت ذاته، فإن التعاون الإقليمي بين الدول أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، سواء من خلال تبادل الخبرات أو وضع معايير مشتركة لحماية البيانات، أو التفاوض بصورة جماعية مع شركات التكنولوجيا الكبرى، بما يضمن تحقيق توازن أفضل بين الاستفادة من الخدمات الرقمية والحفاظ على السيادة الوطنية.
وختاماً، لم يعد مفهوم «السيادة» يقتصر على حماية الحدود البرية أو البحرية أو الجوية، بل أصبح يشمل أيضاً حماية الفضاء الرقمي الوطني الذي بات جزءاً لا يتجزأ من أمن الدولة واستقرارها، فالبيانات اليوم بمثابة ثروة وطنية ومصدر للقوة والتأثير.










































