اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ١٠ أيار ٢٠٢٦
حذرت دراسة علمية جديدة من أن عدد سكان العالم، الذي يقدر حالياً بنحو 8.3 مليار نسمة، تجاوز بشكل كبير القدرة التي يستطيع كوكب الأرض تحملها بصورة مستدامة، في ظل استمرار معدلات الاستهلاك الحالية للموارد الطبيعية والطاقة.
وبحسب الدراسة، التي نقلها موقع 'ساينس أليرت' عن دورية 'إنفايرونمنتال ريسيرش ليترز'، فإن فريقاً بحثياً بقيادة الباحث كوري برادشو من جامعة فليندرز الأسترالية، توصل إلى أن البشرية باتت تعيش خارج حدود 'القدرة الاستيعابية' للكوكب، وهي الحد الذي يمكن للبيئة عنده دعم أعداد الكائنات الحية على المدى الطويل وفقاً للموارد المتاحة ومعدلات تجددها الطبيعية.
وأوضح الباحثون أن الإنسان تمكن خلال القرنين الماضيين من تجاوز هذه الحدود الطبيعية عبر الاعتماد المكثف على الوقود الأحفوري والتطورات التكنولوجية، التي سمحت بزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي بوتيرة غير مسبوقة، ما أدى إلى تسارع النمو السكاني العالمي خلال القرن العشرين.
وأشار الفريق إلى أن الاقتصادات الحديثة القائمة على النمو المستمر لا تأخذ في الاعتبار الحدود الطبيعية لتجدد الموارد، إذ يجري تعويض هذا النقص بشكل مصطنع من خلال استهلاك الوقود الأحفوري، الأمر الذي يفاقم الضغوط البيئية والمناخية على الكوكب.
القدرة الاستيعابية للأرض
اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات سكانية تمتد لأكثر من 200 عام، باستخدام نماذج للنمو البيئي لرصد التغيرات في عدد السكان ومعدلات النمو على المستويين العالمي والإقليمي.
وميز الباحثون بين 'القدرة الاستيعابية القصوى'، التي تمثل الحد النظري الأعلى لعدد السكان بغض النظر عن الكوارث أو الأزمات الناتجة، وبين 'القدرة الاستيعابية المثلى'، التي تسمح بتوفير مستوى معيشة مستدام وآمن للسكان.
وخلصت الدراسة إلى أن الحد الأقصى النظري لقدرة الأرض الاستيعابية يبلغ نحو 12 مليار نسمة، إلا أن العدد الأمثل المستدام في ظل أنماط الاستهلاك الحالية لا يتجاوز 2.5 مليار نسمة فقط، وهو أقل بكثير من عدد سكان العالم الحالي.
وقال برادشو إن الأرض لم تعد قادرة على مواكبة الطريقة التي يستخدم بها البشر الموارد، مؤكداً أن الكوكب غير قادر على تلبية الطلب الحالي دون تغييرات جذرية في أنماط استخدام الأراضي والمياه والطاقة والموارد الطبيعية الأخرى.
تباطؤ النمو السكاني لا يحل الأزمة
وأظهرت الدراسة أن العالم شهد تحولاً ديموغرافياً منذ ستينيات القرن الماضي، إذ بدأت معدلات النمو السكاني بالتباطؤ رغم استمرار زيادة عدد السكان.
وأوضح الباحثون أن هذا التحول يمثل بداية ما وصفوه بـ'المرحلة الديموغرافية السلبية'، حيث لم يعد ارتفاع عدد السكان يؤدي إلى تسارع النمو السكاني كما كان يحدث سابقاً.
وتوقعت الدراسة أن يبلغ عدد سكان العالم ذروته بين 11.7 و12.4 مليار نسمة خلال ستينيات أو سبعينيات هذا القرن إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون تغيير.
ورغم تباطؤ النمو، أكدت الدراسة أن البشرية ما تزال تتجاوز بكثير الحدود المستدامة لقدرة الأرض على التحمل، وهو ما يفسر تصاعد أزمات الاستهلاك المفرط والضغط على الموارد الطبيعية في مختلف أنحاء العالم.
أزمات المياه والغذاء والطاقة
وربط الباحثون بين تجاوز القدرة الاستيعابية وظهور أزمات عالمية متزايدة، من بينها شح المياه، وتراجع التنوع الحيوي، واستنزاف الموارد الغذائية، إلى جانب تفاقم تغير المناخ الناتج عن الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وأشار التقرير إلى أن الأمم المتحدة أعلنت في وقت سابق أن العالم يواجه حالة 'إفلاس مائي'، في ظل تزايد الضغوط على مصادر المياه العذبة وتراجع قدرة الأنظمة البيئية على التجدد.
كما لفت الباحثون إلى أن أعداداً كبيرة من الحيوانات تتراجع بصورة متسارعة بسبب عجزها عن منافسة البشر على الموارد الطبيعية أو تلبية الطلب المتزايد على الغذاء والطاقة.
وأوضح الفريق أن الاعتماد على الوقود الأحفوري لزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي بصورة مؤقتة لا يمثل حلاً مستداماً، بل يسهم في تعميق أزمة المناخ وتعريض الأنظمة البيئية لمزيد من الاضطرابات.
دعوات لتغييرات جذرية
وأكد الباحثون أن الوقت لم ينفد بعد لتجنب السيناريوهات الأسوأ، لكن ذلك يتطلب تغييرات جذرية في السياسات الاقتصادية وأنماط الاستهلاك وإدارة الموارد الطبيعية.
وشدد الفريق على ضرورة تطوير ممارسات أكثر استدامة في استخدام الأراضي والمياه والطاقة والتنوع الحيوي، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي لتحقيق توازن طويل الأمد بين احتياجات البشر وقدرة الكوكب على التجدد.
وقال برادشو إن انخفاض عدد السكان وتراجع مستويات الاستهلاك من شأنهما تحقيق نتائج أفضل للبشر والكوكب معاً، مضيفاً أن نافذة التحرك لا تزال متاحة، لكنها تضيق مع استمرار الضغوط البيئية الحالية.
واختتم الباحثون دراستهم بالتأكيد على أن البشرية عطلت خلال العقود الماضية آليات التوازن الطبيعية التي تفرضها حدود البيئة، دون أن تنجح في بناء بدائل مستدامة قادرة على حماية الموارد وضمان استمرارية الحياة للأجيال المقبلة.










































