اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦
الجبيل الصناعية - إبراهيم الغامدي
في ذكرى اليوم الوطني السعودي، يفخر الوطن بما حققته المملكة العربية السعودية من منجزات تنموية، وما أتاحته لأبناء وبنات الوطن من فرص للمشاركة في مسيرة البناء والتطوير. ومع ما تشهده المملكة من تحوّل تنموي، يكتسب الاستثمار في القدرات الوطنية أهمية متزايدة، لتمكين الكفاءات السعودية من الإسهام في تنمية القطاعات الواعدة وتولّي أدوار قيادية فيها.
وبهذه المناسبة قالت لولوة العتيبي، مديرة الموارد البشرية في كروز السعودية، يبرز قطاع الرحلات البحرية السياحية ضمن هذه القطاعات، بما يجمعه من مجالات السياحة والضيافة والترفيه والخدمات البحرية، وما يتيحه من فرص مهنية متنوعة. ولا تقتصر هذه الفرص على مجالات الضيافة والخدمات السياحية، بل تمتد إلى التخصصات البحرية الفنية والمهنية، بما في ذلك الملاحة وعمليات الملاحة البحرية والهندسة البحرية، وهي تخصصات أساسية لتشغيل السفن وبناء القدرات الوطنية في القطاع البحري.
ويقترن تطوير هذا القطاع بإعداد كوادر وطنية متخصصة، تمتلك المعرفة والخبرة العملية، وتواكب متطلبات التشغيل والخدمة وفق المعايير العالمية. فبناء قطاع قادر على النمو والمنافسة يستلزم أن تنمو معه خبرات كوادره الوطنية، وأن تتسع أمامها فرص التخصص والتدرّج المهني.
ومن واقع عملي في الموارد البشرية، ينبغي أن يقاس أثر القطاعات الواعدة بنوعية المسارات المهنية التي تتيحها، إلى جانب عدد الوظائف التي توفرها. ففرصة العمل تكتسب قيمتها المستدامة حين تفتح لصاحبها مجالًا للتعلّم والتطور وتحمّل مسؤوليات أكبر. ولهذا، فإن إعداد الكفاءات الوطنية يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من خطط نمو القطاع، يبدأ مبكرًا ويستمر عبر مختلف مراحل المسيرة المهنية.
وفي الرحلات البحرية السياحية، تتجلى أهمية هذا الإعداد في طبيعة العمل على متن السفن، حيث تتضافر جهود فرق متخصصة لتقديم تجربة ضيافة متكاملة وضمان تشغيل السفينة بكفاءة وسلامة وفق المتطلبات والمعايير البحرية الدولية. فخدمات الضيوف وفنون الطهي والترفيه وغيرها من المجالات تعمل بالتوازي مع تخصصات بحرية رئيسية تشمل الملاحة البحرية والهندسة البحرية، والتي تتطلب مسارات تعليمية وتدريبية متخصصة، وخبرة عملية في البحر، واستيفاء المتطلبات والشهادات المهنية البحرية المعتمدة.
وترتبط جميع هذه المجالات بعمليات يومية تتطلب التنسيق والانضباط والعمل الجماعي، إلى جانب القدرة على العمل ضمن بيئة دولية ومتعددة الثقافات. وتتيح الممارسة في هذه البيئة للطلبة والمتدربين فهم العلاقة بين تخصصاتهم الأكاديمية ومتطلبات العمل، والتعرّف إلى المهن التي يمكنهم بناء مستقبلهم فيها.
ومن هنا، تنبع أهمية الشراكة بين الجامعات والجهات العاملة في القطاع، لربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، وإتاحة فرص نوعية للتدريب قبل التخرج. وتكتسب هذه الشراكة أهمية خاصة في تخصصَي الملاحة البحرية والهندسة البحرية، حيث يتطلب بناء الكفاءات الوطنية مواءمة التعليم الأكاديمي مع التدريب العملي البحري ومتطلبات التأهيل والشهادات المهنية المعترف بها دوليًا.
فالتجربة العملية تمنح الطالب معرفة مباشرة بمسؤوليات المهنة، وتساعده على اكتشاف قدراته وتحديد المهارات التي يحتاج إلى تطويرها. كما يساعده التوجيه المهني على بناء اختياراته على فهم أوضح لطبيعة التخصص وآفاق التقدم فيه.
ويقدّم برنامج «سفراء أرويا 2026 «وبرنامج التدريب المهني المعتمد في الملاحة والهندسة البحرية، إحدى مبادرات «كروز السعودية» لتأهيل المواهب السعودية في مجالات الرحلات البحرية السياحية والضيافة، تطبيقًا عمليًا لهذا التوجّه. فقد استقبلت «أرويا كروز»، أول خط عربي للرحلات البحرية السياحية والتابع لشركة «كروز السعودية» المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، طلاب ومتدربين من كلية السياحة والضيافة وكليات الدراسات البحرية من ثلاث جامعات سعودية، أتمّوا نحو شهرين إلى ستة أشهر من التدريب العملي والتخصصي على متن سفينة «أرويا» خلال برنامج رحلاتها في البحر الأبيض المتوسط. وشمل التدريب عددًا من الأقسام التشغيلية والفنية، إلى جانب التوجيه المهني وتطوير المهارات القيادية.
وتكمن قيمة هذا النوع من البرامج في منح الطلبة فرصة لاختبار اختياراتهم المهنية قبل دخول سوق العمل. فالتعرّف إلى أقسام متعددة يوسّع إدراكهم للفرص المتاحة، ويساعدهم على تحديد المجال الذي يرغبون في التخصص فيه. كما أن العمل إلى جانب فرق مهنية يمنحهم فهمًا لمتطلبات الأداء والمسؤولية، ولأهمية إسهام كل فرد في جودة التجربة التي نقدمها لضيوفنا.
وتتيح هذه الشراكات كذلك للجهات العاملة في القطاع الإسهام في تأهيل المواهب منذ وقت مبكر، وتبادل المعرفة مع المؤسسات التعليمية والقطاعات التخصصية بشأن المهارات التي تتطلبها المهن الناشئة. وبذلك، يصبح التعاون بين الجامعات والقطاع أساسًا لتطوير برامج تأهيل تستجيب لاحتياجات العمل وتواكب تطوره، سواء في المسارات السياحية والضيافة أو في المسارات البحرية والفنية المتخصصة.
غير أن بناء الكفاءات لا ينتهي بانتهاء التدريب؛ إذ تتطلب استدامة أثره فرصًا متواصلة للتعلّم ونقل المعرفة والتدرّج في المسؤوليات. وهنا تقع على عاتقنا في الموارد البشرية مسؤولية ربط التأهيل بمسارات واضحة للنمو المهني، تُمكّن الكفاءات الوطنية من تعميق تخصصها، والإسهام في تطوير الأداء، والتقدم نحو أدوار قيادية. فبهذه الممارسة تتراكم الخبرات داخل القطاع، وتنتقل المعرفة إلى أجيال جديدة من العاملين فيه.
وفي اليوم الوطني، يتجدد التزامنا بتأهيل أبناء وبنات الوطن للمشاركة في قيادة القطاعات الواعدة التي تسهم في تنويع اقتصاد المملكة. فالاستثمارات تفتح آفاق النمو، والكفاءات الوطنية تمنح هذا النمو استدامته. ومن هنا، فإن مسؤوليتنا تتجاوز إتاحة الفرص المهنية إلى بناء الخبرات التي تُمكّن الشباب السعودي من تطوير قطاع الرحلات البحرية السياحية وصناعة مستقبله، في تخصصاته السياحية والضيافية والبحرية والفنية على حد سواء، بما يعزّز تنافسيته وإسهامه في تنويع الاقتصاد الوطني.










































