اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ أب ٢٠٢٦
فهد الأحمري
إلى حبر الصباح الذي ما هدأ على صفحة الوطن ستة عقود، وإلى اللحظة التي تقف فيها جريدة «الرياض» الشامخة على حافة التاريخ، مودعة رائحة الورق التي أدمنتها أرواحنا قبل أن تبتلع الشاشات ملامح القراءة، وتتوارى خفقات المطابع خلف صمت الشاشات الباردة.
اليوم الاثنين، 24 أغسطس 2026، لن يكون يوماً عادياً في سجل الصحافة السعودية؛ بل هو الوداع الأخير لنسخة ورقية حملت على عاتقها نبض التنمية، وواكبت بحبر صدقها ورصانتها تحولات هذا الوطن العظيم كافة منذ أن كان خططا على طين الأحلام، وحتى تحول إلى أعاجيب العصر.
ستة عقود كاملة، وهذه الجريدة طقس صباحي مقدس، لا يبدأ الفجر إلا بفتح صفحاتها، ولا يستقيم المزاج الفكري إلا بخشخشة أوراقها التي تشبه في صمتها هفيف نخل وطن وعراقة أصالته.
شخصياً، أكتب قرابة عقدين من الزمن في بساتين عديدة من الصحف السعودية العريقة، ومسكها جريدة «الرياض»، أمعنت خلالها النظر في جوهر الكلمة، وتأملت كيف أن للحرف المطبوع على الورق روحا تسري في الجسد، وتلامس الحواس، وتستقر في خلايا الذاكرة العصبية بطريقة تعجز عنها قوالب البث الرقمي.
كان تصفح الجريدة تواصلاً حسياً وبصرياً حميماً؛ نقلب الورق بأصابع الوجد، ونتابع الأسطر المجبولة بالصدق، مخلوط بعبق خاص يمتزج برائحة القهوة وبدايات النهار.
لقد شكلت «الرياض» على مدار تاريخها المجيد مدرسة قائمة بذاتها، تخرجت منها أجيال من الأقلام الرصينة، وكانت الصرح الذي يلتقي عنده الفكر الرشيد والوعي الوطني، حاملة لواء التنوير، ومدافعة عن قضايا المجتمع بحكمة واقتدار.
حين تطوى اليوم آخر نسخة ورقية من الجريدة، وتحمل بين طياتها سطور مقالتي الأخيرة على الورق، فإنني لا أكتب وداعا مجردا، بل أرثي حقبة كاملة تربى فيها الوعي على ملامسة الحبر وتأمل السطور.
صحيح أن التحول الرقمي قدر حتمي فرضته سرعة العصر ومتطلبات التقنية، وأن البقاء للأكثر مرونة، لكن القلب ينقبض لرحيل الورق الذي كان شاهدا أمينا على مسيرتنا التأليفية والصحفية الممتدة في رحاب الوطن.
ستبقى «الرياض» عظيمة بروحها، رقمية كانت أم ورقية، وستبقى منارة للكلمة الحرة والريادة الإعلامية، لكن ريح الورق الأصيل الذي صعد إلى أعصابنا سنين طويلة، سيترك في الصدر فراغاً أبدياً لا يملؤه سوى حنين لا ينتهي.
بصيرة:
يبقى الخلود الحقيقي للجوهر لا للوعاء؛ فالأفكار التي نقشناها على تلك الصفحات لا يطفئ وميضها انتقال مدادها من طين الورق إلى نور الشاشات.. فحين تختفي خشخشة الأوراق، تظل صياغة الوعي وبناء الإنسان هما الغاية الأبقى، ونحن إذ نودع الشكل، نستودع الله رسالة الكلمة التي لا تموت، مؤمنين أن أصالة الفكر كالنخيل الراسخ، مهما تباينت سبل سقياها، تظل تمد هذا الوطن بثمار العطاء ما اختلف الليل والنهار.










































