اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
رفع يده إلى أقصى ما ترتفع له حتى قاربت السقف، ومن ثم هو بها على هذا اللوح الخشبي، لتغدو اللَّوحة العبثية مكتملة بعد أن انسكب فنجان القهوة فوق الأوراق المبعثرة في كل مكان، حاول جاهدا الإمساك بفكرة، ولكن تعود صنارته فارغة بعد أن تأكل السمكة الطعم، ولهذا أضحى خاويا، أصبح كتلكة من اللَّاشيء، إلا من الذاكرة نفسها التي تُصدر ضجيجا كل ما أتى بحركة، لتغدو أمواج البحر متلاطمة بجدران العقل دون توقف.
يسعى الإنسان دائما وربما حتى بدون هدى منه بأن يحارب الخواء، تنِزُّ الغرائز في جوفه إن لم تُوظف كي لا تغدو صادئة، فيركض وراء الحب، السلطة، ويسعى ليجرب كل شيء، ويلهث وراء كل شيء، ولكن كل هذا رعشة جنسية عابرة تنتهي بابتعاد الأجساد عن بعضها، ليفتح الثقب الأسود عُقبها ويبقى الآخر في محاولته التي لا مُنتهى لها لملإه.
والخواء هنا أصل الأشياء، والأشياء لا تكتمل إلا بمعناها ولأن الفرع يعود لأصله، فكل ما يخلو من المعنى فهو خاوٍ، وعلاقتنا بالآخر أيًا كان من يكون وأيا كان ما يجمعنا به، سواء حب أو صداقة، فهذا فرع وهو زائل مهما طالت علاقتنا به.
تعتقد الطائفة النقشبندية أن للإنسان عدة أنفس، ولكل نفس هالة ضوء خاصة بها، الأحمر لون النفس الملهمة، والأزرق لون النفس الأمارة بالسوء، واعتبر الأبيض لون النفس المطمئنة، بينما اعتبر الأبيض في الفنون الشرقية مساحة مقصودة تمنح اللوحة نفسا، وهو لون الخواء الإيجابي الذي يتيح للمتلقي مساحة للتأمل والتفكير.
فالإمتلاء حين يخلو من المعنى خواء موحش بلون أسود قاتم، فحين تغدو السياسة وأحزابها متجردة من المبادئ الحية، تجد المقاعد خاوية على امتلائها، تعمرها هياكل حية بأنفاسها فقط فحينما يعمر السياسي المقاعد البرلمانية التي لا تعد ولا تحصى لمناقشة قضية ما بعد ساعات متكثلة بعضها على بعض، ينتهي بهم المطاف بصفر، فهنا تغدو الهياكل حية بأنفاسها فقط، خاوية من معناها الأصلي، خاوية من أي مبدئ، لتصبح المملكة حيوانية لا تسودها إلا الفوضى والصراخ والغريزة، فارغة خاوية، من دورها الفكري الأصلي، فالأسد ورعيته، توغل فيهم الفساد.












































