اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
ترك لنا آباؤنا وأجدادنا وطناً يحمل قيماً إنسانية وحضارية رفيعة، احتضن القادمين إليه من مختلف الأصول والأديان والمعتقدات، فوجدوا فيه الأمن والأمان، وانصهروا في نسيج اجتماعي أردني متماسك، كانت قوته في تنوعه واحترامه للآخر.
لكننا اليوم نشهد تسلّل أفكار متطرفة تقوم على التعصب والتكفير والإقصاء، وكأن أصحابها يريدون تحويل المجتمع الأردني إلى مجتمع بلون واحد، يُفصَّل على مقاس معتقداتهم وأفكارهم، فينصّبون أنفسهم أوصياء على لباس الناس وحياتهم وحفلاتهم ومهرجاناتهم.
وأقول لكل من يروّج لهذا الفكر: ماذا ستترك لأبنائك من بعدك؟ قد تظن أنك تنتصر لمعتقدك عندما تفرضه على الآخرين، لكنك في الحقيقة تزرع بذور الكراهية والانقسام في وطن سيعيش فيه أبناؤك وأحفادك.
ولا يكفي أن نتغنّى بإرث أجدادنا الحضاري بينما نغضّ الطرف عن الفكر المتطرف الذي ينخر في مجتمعنا. وما شهدناه من اعتداء على الأبرياء في كنيسة حمود بالكرك يفرض مراجعة جادة لأولوياتنا الوطنية، فلا تقتصر المواجهة على ملاحقة مرتكبي الجرائم، بل تشمل أيضاً كل من يثبت تورطه في التخطيط أو التحريض أو نشر الفكر الذي يبرّر الإرهاب.
إننا بحاجة إلى إطلاق مبادرات طلابية وشبابية ومجتمعية تعزز ثقافة المواطنة وقبول الآخر، وإلى دور فاعل للمدارس والجامعات في بناء أجيال تحترم الإنسان بغض النظر عن أصله أو دينه أو معتقده، مؤمناً كان أم غير مؤمن.
كما نحتاج إلى تطبيق قوانين رادعة للتحريض على العنف والكراهية والتمييز العنصري، بما في ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع صون حرية الرأي والتعبير. فلا يجوز أن تتحول هذه المنصات إلى ساحات لتصنيف الأردنيين وفق أصولهم ومعتقداتهم، أو لتوزيع شهادات الوطنية وصكوك الغفران.
وأخيراً، إن مسؤولية كل جيل أن يترك لأبنائه وطناً أفضل مما ورثه، لا مجتمعاً تمزقه الأحقاد والوصاية الفكرية. فحماية الأردن تبدأ بمواجهة الإرهاب والفكر الذي يغذّيه، وترسيخ المواطنة وسيادة القانون واحترام الاختلاف.
لا تورّثوا أبناءكم الكراهية والتعصب، بل اتركوا لهم أردناً يتّسع للجميع، لا يفرّق بين أبنائه دين أو أصل أو معتقد. فقوتنا في تنوّعنا، وعزّتنا في وحدتنا، وأعظم إرث نتركه للأجيال القادمة وطنٌ تسوده المحبة والكرامة الإنسانية، ويعيش فيه الجميع بأمن وسلام.
وأخيراً، أقول للآباء والأمهات: أنتم خط الدفاع الأول في حماية أبنائكم ومجتمعكم من التطرف والكراهية. فعندما تلاحظون تسرّب أفكار تكفيرية أو إقصائية أو عنصرية إلى عقول أبنائكم، فلا تتجاهلوها ولا تستهينوا بخطورتها، بل بادروا إلى معالجتها بالحوار والتوعية والتوجيه، قبل أن تتجذّر وتتحول إلى سلوك يهدد مستقبلهم وأمن مجتمعهم. فمسؤوليتكم لا تقتصر على تربية أبنائكم، بل تمتد إلى حماية الوطن من الأفكار التي قد تهدم ما بناه آباؤنا وأجدادنا.












































