اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٨ أب ٢٠٢٦
د. هاني بن محمد أبوراس
يُقاس الأداء الاقتصادي في الغالب بحجم الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات نموه، غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تبيّن مقدار الموارد التي استُخدمت لتحقيق هذا الناتج، ولا مقدار ما يبقى من قيمتها بعد الاستخدام، فحين يقوم النمو على استخراج المواد ثم تصنيعها واستهلاكها والتخلص منها، يصبح كل توسع جديد معتمداً على مواد خام جديدة.
ويُنظر إلى انتهاء استخدام المنتج باعتباره نهايةً طبيعية لعمره، غير أن جانباً من هذه النهاية يتقرر قبل ذلك بسنوات، ففي مرحلة التصميم تتحدد بدرجة كبيرة طبيعة المواد وطريقة التركيب وقابلية الإصلاح، وحين يصبح الإصلاح غير مجدٍ مقارنة بالاستبدال، يصير المنتج أقرب إلى الخروج من دورة الاستخدام، وعندها لا تعود هذه النهاية نتيجةً للاستهلاك وحده، وإنما امتداداً لقرارات اتُخذت في بداية الدورة لا في نهايتها.
ولا تفقد كثير من المواد كامل قيمتها بانتهاء استخدامها الأول، إذ يمكن استرداد جزء منها وإعادته إلى الإنتاج، غير أن عودتها تحتاج إلى حلقات مترابطة من الجمع والفرز والمعالجة، وحين تغيب هذه الحلقات تضيع معها قيمة كان يمكن إبقاؤها داخل الدورة الإنتاجية.
عند هذه المرحلة يتجاوز النظر كيفية التخلص من المخلفات إلى كفاءة استخدام الموارد، وهنا تكتسب إنتاجية الموارد معناها العملي، فكلما أمكن توليد قيمة أعلى بمواد أقل، انخفض التأثر بتقلب أسعارها واضطراب إمداداتها، وأصبح النشاط أكثر قدرة على الاستمرار.
غير أن الوصول إلى هذا المستوى لا يحدث بالسرعة نفسها في كل اقتصاد، فالوفرة، حين تخفف الحاجة المبكرة إلى ترشيد استخدام الموارد، تؤخر بناء الكفاءة بقدر ما تبدو مصدر أمان. فالاقتصادات التي توافرت لها المواد والطاقة بكلفة ميسرة لم تواجه في مراحل تكوينها الضغط نفسه، فتشكّلت طرق إنتاجها على افتراض استمرار توافرها. وفي المقابل، دفعت الندرة المبكرة اقتصادات أخرى إلى استخدام مواردها بكفاءة أعلى، حتى أصبحت الكفاءة جزءاً من تصميم المنتجات وطرق إنتاجها، لا إجراءً يُضاف لاحقاً.
وسهولة الحصول على المورد اليوم لا تضمن توافره بالشروط نفسها غداً، وعند ذلك تصبح كفاءة استخدام الموارد اختياراً يسبق الندرة، لا استجابة تأتي بعدها.
وتبدأ هذه الكفاءة من تصميم المنتج، فحين تمتد مسؤولية المصنّع إلى ما بعد البيع، يصبح من مصلحته استخدام مواد قابلة للاسترداد وتصميم مكونات يسهل إصلاحها أو إعادة استعمالها، لأن مسؤوليته لا تنتهي عند البيع، وفي صناعات عدة امتد هذا التحول إلى نموذج العمل، فأصبحت إطالة عمر المنتج واستعادة مكوناته جزءاً من المصلحة الاقتصادية، وعندها تصبح إعادة التدوير حلقة ضمن دورة تبدأ من التصميم، لا حلاً منفرداً بعد تولد الهدر.
ولا يترسخ هذا التحول بمبادرات متفرقة مهما كانت جودتها، فقيمته تظهر حين تتكامل قرارات التصميم والإنتاج والاستهلاك والاسترداد مع السياسات البيئية والصناعية والتنموية، وأي خلل في أحد هذه المسارات يضعف أثر البقية، وحين لا تتصل النتائج، تبقى النجاحات محدودة، ولا تصبح الكفاءة سمة مستقرة في الاقتصاد.
ويزداد ثمن التأجيل مع مرور الوقت، فالقرار الذي يخفض الهدر اليوم لا يوفر مادة ومالاً في لحظته فقط، بل يقلل مستقبلاً احتياجات الجمع والمعالجة والطمر، ويخفف الضغط على الأراضي والبنية التحتية، أما التأخر، فيعني استمرار توجيه الاستثمارات وبناء الأصول وفق النموذج القائم، فتزداد صعوبة تعديلها، وترتفع كلفة ذلك كلما طال بقاؤها، وعليه يكون التدخل المبكر أقل كلفة من تغيير منظومة ترسخت عبر الزمن.
وعند العودة إلى نقطة البداية، لا تكتمل صورة النمو بما يُنتج في سنة واحدة، بل بما يبقى أيضاً من قيمة الموارد داخل الدورة عبر الزمن، ومن هذا المنظور، لا يمثل الاقتصاد الدائري قطاعاً مستقلاً يُضاف إلى بقية القطاعات، وإنما نهجاً يجعل كفاءة استخدام الموارد جزءاً من طريقة النمو، فالاقتصاد الأقدر على الاستمرار ليس الذي يحسن التعامل مع ما يخرج من دورته، بل الذي يصمم مساره منذ البداية ليحتفظ بأكبر قدر ممكن من القيمة داخله.










































