اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
سامي بن أحمد الجاسم
في المشهد الثقافي المعاصر، يتكرّس بشكل متزايد نموذج «المثقف الشامل»؛ ذلك الشخص الذي يرى في نفسه القدرة على الجمع بين كل الأدوار، من كاتب وشاعر، إلى مقدم ومحاور، بالإضافة إلى الخطيب ومدير جمعية ثقافية، وأحيانًا مفكرًا يُنظر إليه كمرجعية في كل شيء.
يبدو هذا النموذج في ظاهره طموحًا واسعًا، لكنه في كثير من الحالات يخفي خلفه حالة من التشتت أكثر مما يعكس حالة من الاكتمال، ظهور مكرر يستنزف، وحرق للشخصية لا مبرر له.
الإشكال لا يكمن في تنوع الاهتمامات بحد ذاته، فالتنوع قد يكون ثراءً حين يُبنى على قاعدة صلبة، لكن المشكلة حين يتحول هذا التنوع إلى ادعاء شمول، دون امتلاك عمق حقيقي في أي مجال، عندها لا يعود الأمر تعددًا في المواهب، بل تشظيًا في الهوية الإبداعية.
الموهبة، بطبيعتها، تحتاج إلى زمن لتتكوّن، وإلى صبر لتتبلور، وإلى تركيز لتصل إلى مستوى النضج، أما القفز المستمر بين الأدوار، ومحاولة القيام بكل شيء فيُنتج عنه حضورًا عامًا بلا ملامح واضحة، فيصبح الفرد حاضرًا في كل مكان، لكنه لا يُعرف في أي شيء تحديدًا، يشارك في كل مساحة، لكنه لا يترك بصمة متينة في أي منها.
هذا التشتت لا يضر الصورة الخارجية فقط، بل ينعكس على الداخل، فمحاولة ملء كل الأدوار في وقت واحد تستنزف الطاقة الإبداعية، وتمنع التراكم الحقيقي الذي تحتاجه أي تجربة فكرية أو أدبية.
بمرور الوقت، يتحول الإنتاج إلى ردود أفعال متفرقة، لا إلى مشروع واضح المعالم، والأخطر من ذلك أن هذا النموذج يجد في الحضور العام والتفاعل السريع نوعًا من الإغراء.
فكل ظهور في مساحة جديدة يُفسَّر كنجاح، وكل مشاركة تُقرأ كإضافة، حتى وأن لم تكن مبنية على عمق أو تخصص، وهكذا تتضخم الصورة الخارجية، بينما يظل الداخل فارغًا من التراكم الحقيقي.
المثقف الحقيقي لا يُقاس بعدد الأدوار التي يؤديها، بل بقدرته على بناء أثر متماسك في مجال واحد على الأقل. ليس المطلوب الانغلاق داخل تخصص ضيق، بل امتلاك مركز ثقل معرفي أو إبداعي يمنح باقي التحركات معنى واتجاهًا. فالتعدد حين لا يستند إلى مركز، يتحول إلى ضياع.
هناك فرق بين من يتنقل بين المجالات بوعي، ومن يتنقل بينها هربًا من عدم التمكن، الأول يوسّع أفقه بعد أن يثبت جذوره، أما الثاني فيبحث عن أي مساحة ليعوض بها غياب العمق. وفي الحالتين، يبقى السؤال الحاسم: هل هناك أثر حقيقي، أم مجرد حضور متكرر؟
القضية هنا ليست في رفض التنوع، بل في مقاومة وهم الاكتمال الزائف، ليس كل من كتب نصًا صار كاتبًا، ولا كل من قدّم فعالية صار محاورًا، ولا كل من ترأس جمعية صار مفكرًا. هذه أدوار تحتاج إلى تراكم، لا إلى ادعاء.
إن أخطر ما يواجه المشهد الثقافي اليوم هو هذا التضخم في «الهوية المتعددة غير المتجذرة»، حيث يظن البعض أن كثرة العناوين تعوّض غياب العمق، بينما الحقيقة أن العنوان بلا مضمون لا يصنع قيمة، ربما يكون التحدي الحقيقي هو أن يملك الإنسان شجاعة التخصص، لا شهوة التشتت.
أن يختار مجاله، ويصبر عليه، ويمنحه ما يستحقه من وقت وجهد، بدل أن يوزع نفسه على كل شيء، ثم يعود بلا شيء واضح يُنسب إليه.
القيمة لا تأتي من كثرة الأدوار.. بل من أثرٍ واحد، متين، يُغني عن كل الادعاءات.










































