اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
خطورة هذه الظاهرة على البنية الاجتماعية العربية لا تكمن فقط في أنها تسيء لأفراد، بل في أنها تقتل فكرة القدوة نفسها.. فالشاب الذي يرى كل رموزه تُكسر أمامه يومياً، ماذا يتبقى له؟ يتبقى له فراغ رمزي هائل.. وهذا الفراغ لا يبقى فارغاً؛ بل يملؤه إما بالعدمية والسخرية من كل شيء، أو برموز بديلة زائفة مستوردة، لا تحمل أي قيمة أخلاقية ولا تمت لتاريخه بصلة..
هناك فارق جوهري وخطير بين نقد الشخص، وكسر الرمز. الأول فعل عقلاني ضروري لصحة أي مجتمع، والثاني فعل عبثي همجي معيب، يصيب البنية الاجتماعية في مقتل. وما نشهده اليوم على امتداد الفضاء الرقمي العربي ليس نقداً، بل هو ظاهرة ممنهجة يمكن أن نسميها 'كسر الكاريزما'.
الكاريزما في تراثنا ليست مجرد حضور شخصي جذاب.. هي ما كان العرب يسمونه 'الهيبة'. والهيبة ليست خوفاً، بل هي مزيج من الوقار والمعرفة والمسؤولية الأخلاقية التي يخلعها المجتمع على من يراه أهلاً لحمل قيمه. كان المعلم مهيباً، وكان كبير العائلة مهيباً، وكان العالم والمفكر ورجل الدولة وحتى الفنان الحقيقي مهيباً. هذه الهيبة لم تكن امتيازاً طبقيا، بل كانت عقداً اجتماعياً: نحن نحترمك ونرفعك رمزاً، وأنت تتحمل عنا عبء أن تكون قدوة. فما هو المتغير الذي طرأ على تكوين الشخصية العربية؟
الذي تغيّر أننا انتقلنا من مجتمع يقدس الرمز إلى مجتمع يتلذذ بتحطيمه. والتحطيم اليوم لا يحتاج إلى حجة، يكفيه لقطة مجتزأة، أو زلة لسان، أو شهادة مشكوك فيها، لتبدأ عملية اغتيال معنوي كاملة. لم يعد الهدف هو تصحيح خطأ الرمز، بل الاستمتاع بلحظة سقوطه.
وهذه الظاهرة غريبة تماماً على بنية قيمنا في الموروث العربي والإسلامي، احترام الرمز قيمة تأسيسية.. 'ليس منا من لم يوقّر كبيرنا'؛ ليس حديثاً عابراً، بل قاعدة عمرانية. حتى في أشد لحظات الخصومة السياسية في تاريخنا، كان هناك خطاب يفرق بين الخصم والعدو، بين النقد والإسقاط. كان العرب يقولون: 'اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية'، لأن الود كان هو الأصل الذي يحفظ الجماعة من التفتت.. أما اليوم، فالاختلاف صار هو الأداة لتدمير كل ود.
من الناحية الفلسفية، كسر الكاريزما هو نتاج لثلاثة تحولات خطيرة:
أولاً: تحول المعرفة إلى معلومة.. في الماضي كانت المعرفة تراكمية وتحتاج إلى شيخ وتلميذ وسند، وهذا السند هو الذي يخلق الرمز. اليوم المعلومة متاحة للجميع، فتوهم الجميع أنهم يملكون المعرفة، وبالتالي لم يعودوا بحاجة إلى رمز يمثلها.. فبدلاً من أن نسأل: ماذا يقول؟ أصبحنا نسأل: من يكون هو حتى يقول؟
ثانياً: تحول النقد إلى تنمر.. النقد الحقيقي، كما أسسه ابن رشد وابن خلدون، هو تفكيك الفكرة لاختبار قوتها. أما ما يحدث الآن فهو تفكيك الشخص لاختبار قدرته على التحمل. لم نعد نناقش ما قاله الإعلامي أو المفكر أو الأستاذ، بل نناقش من هو، وما تاريخه، وما نيته الخفية؟ وهذا انتقال من ساحة العقل إلى ساحة التشفي.
ثالثاً: تحول المجتمع من مجتمع عمودي إلى مجتمع أفقي مسطح.. المجتمعات العربية تاريخياً مجتمعات عمودية، تقوم على احترام الخبرة والسن والمنصب. هذا ليس تسلطاً، بل هو نظام لتوزيع المسؤولية.. عندما نسطح المجتمع بالكامل تحت شعار 'كلنا متساوون في السخرية'، فإننا لا نحقق المساواة، بل نحقق الفوضى.. فالمساواة الحقيقية لا تعني أن لا أحد أفضل من أحد، بل تعني أن لكل أحد فرصة أن يصبح رمزاً بالعمل والجدارة.
إن خطورة هذه الظاهرة على البنية الاجتماعية العربية لا تكمن فقط في أنها تسيء لأفراد، بل في أنها تقتل فكرة القدوة نفسها.. فالشاب الذي يرى كل رموزه تُكسر أمامه يومياً، معلمه، وأستاذه الجامعي، ومفكره، وإعلاميه، ورجل دولته، ماذا يتبقى له؟ يتبقى له فراغ رمزي هائل.. وهذا الفراغ لا يبقى فارغاً، بل يملؤه إما بالعدمية والسخرية من كل شيء، أو برموز بديلة زائفة مستوردة، لا تحمل أي قيمة أخلاقية ولا تمت لتاريخه بصلة.
نحن لا ندعو إلى تقديس الأشخاص أو تحصينهم من النقد.. فالرمز الحقيقي لا يخاف النقد، بل يطلبه.. لكننا ندعو إلى التمييز بين ثقافتين: ثقافة المحاسبة، وثقافة الكراهية. المحاسبة تقول للرمز: أخطأت هنا، صحّح.. أما الكراهية فتقول: أنت كلك خطأ، ويجب أن تزول.
لقد بنى العرب حضارتهم على فكرة 'الرمز الحافظ'.. الشاعر كان حافظ ذاكرة القبيلة، والشيخ كان حافظ حكمتها، والمعلم كان حافظ قيمها.. فإذا كسرنا كل حافظ، فمن يحفظنا نحن من النسيان؟
إن استعادة احترام الرمز ليست دعوة للرجعية، بل هي دعوة للحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي.. مجتمع بلا رموز هو مجتمع بلا بوصلة، ومجتمع بلا هيبة، هو مجتمع سهل الاختراق، سهل التفكيك، سهل أن يُقال له في النهاية: إن تاريخه كله كان وهماً.
فلننقد بقسوة، ولكن لنحترم بعمق.. فهذا هو التوازن الذي حفظ هذه الأمة لقرون.










































