اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ أيلول ٢٠٢٦
د. فايز بن عبدالله الشهري
حين تُطرح الأسئلة الكبرى عن مرتكزات صيانة الاستقرار في المجتمعات، يتبادر إلى الذهن الحديث غالبًا عن القوة العسكرية، والمنظومة القانونية، والبنية الاقتصادية، غير أن ثمة رأسمالًا أعمق أثرًا وأبعد مدى، يتمثل في بنية الوعي المجتمعي ومدى تماسكها أمام رياح التحول والتأثير. ومن هذا المنطلق، يكتسب مؤتمر 'حوار الأمن والتاريخ 2026' أهميته الاستثنائية، لا بوصفه فعالية سنوية ترصد التاريخ في منظور منظومة الأمن الوطني، بل بوصفه لحظة تأمل استراتيجي في التجربة السعودية؛ حيث لا ينفصل بناء الدولة عن استلهام التاريخ، ولا تكتمل التنمية إلا بوصفها استمرارًا حضاريًا يحرسه الأمن ويرعاه، فيلتقي الأمنُ بالتاريخ لحماية الوجود، وصيانة المعنى.
وحين يُخصّص هذا المؤتمر جلسة خاصة بعنوان 'حماية الوعي وتعزيز الاعتدال وأثرهما الأمني والاجتماعي' يذكّرنا أن الاعتدال، لم يعد يحتكره خطاب وعظي عام بل بات ممارسة اجتماعية مؤسسية، بوصفه درعًا واقيًا من الانزلاقات التي تعصف بالمجتمعات ووازنًا لبوصلتها القيمية. فالاعتدال هنا ليس ترفًا فكريًا، بل هو بنية تحتية للأمن الوطني، إذ إن المجتمع الذي يملك توازنه الداخلي، يتميّز بمناعة أصلب أمام الاختراقات.
وتثبت التجربة السعودية أن قيمة الاعتدال في المجتمع ليست خيارًا سياسيًا استدعته المواقف، بل ثمرة تاريخ طويل من التوازن الذي رسّخته الدولة منذ نشأتها، حين آمنت أن الشرعية لا تُبنى على القوة وحدها، بل على قدرة المؤسسة السياسية على تمثيل قيم المجتمع وصون تماسكه.
وفي هذا السياق، تأتي تجربة المملكة في مواجهة التطرف وترسيخ الاعتدال لتقدم نموذجًا متميزًا في التكامل بين البعدين الفكري والأمني. ذلك أن المعالجة الأمنية وحدها، مهما بلغت دقتها، لا تقتلع جذور الأفكار المنحرفة، بل قد تدفعها إلى التخفّي والتحوّل إلى أشكال أكثر تعقيدًا. وفي المقابل، فإن المعالجة الفكرية المجردة، دون ظهير أمني يحمي الساحة من الاستغلال، تظل محدودة الأثر. وما يميز التجربة السعودية هو إدراكها المبكر لهذا التداخل، فجاءت المراجعات الفكرية، وتجفيف منابع التمويل، وإعادة هيكلة الخطاب الديني، وتقنين الفتوى، كلها في إطار استراتيجية واحدة تدرك أن رفع مستوى الوعي الفكري هو العمود الفقري للأمن الوطني الشامل.
والسؤال الأعمق الذي يطرحه المؤتمر يتعلق بمؤسسات التنشئة ودورها في بناء هذا الوعي. فالأسرة، بوصفها الخلية الأولى في عقل وروح المجتمع، والتعليم بوصفه المصنع الذي تتشكل فيه العقول، والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، بوصفها حرّاس الرؤية الوطنية، كلها شريكة في مسار التوعية دون ضجيج. والتجربة السعودية في هذا المضمار لافتة، إذ لم تكتفِ بمراجعة المناهج وتحديثها، بل أعادت بناء فلسفة التعليم ذاتها، من التلقين إلى التفكير، ومن الحفظ إلى النقد، ومن الامتثال القانوني إلى المواطنة الواعية. وهي تجربة تستحق الوقوف عندها، لأنها نقلت المواجهة مع التطرّف من سطح الخطاب إلى عمق البنية التربوية، حيث تتشكل المعتقدات والقناعات الأولى.
ومن اللافت في محاور هذا المؤتمر هو إدراكه العميق لطبيعة اللحظة الراهنة، حيث لم تعد المؤسسات الرسمية وحدها اللاعب الأوحد في تشكيل الوعي. فثمة تحول جذري في مصادر التأثير، إذ أضحت المنصات الرقمية، والخوارزميات، والمؤثرون العابرون للحدود، قوى فاعلة تنافس الدول في الوصول إلى عقول الأجيال الصاعدة. وهنا، تصبح الحصانة الفكرية والوعي النقدي مطلبًا ضروريًا لا رفاهية ثقافية. فالمجتمع الذي يعلّم أبناءه على مساءلة الأفكار وتفكيك الخطابات، يمنحهم جهاز مناعة ذاتيًا يحميهم من الاستقطاب والاستمالة.
ولعلّ أهم ما يميز هذا المؤتمر، في تقديري، ليس طبيعة الموضوعات المطروحة فحسب، بل الإطار الفلسفي الذي يجمعها حول الكيفية التي يتحول بها الأمن إلى مشروع حضاري، والتاريخ إلى طاقة دافعة نحو المستقبل. وهو بذلك ينطلق من فهم شامل للأمن الوطني، وعنوانه سؤال أوسع: كيف نبني مجتمعًا متماسكًا، واعيًا، قادرًا على الاحتفاظ بثوابته وهو يتعامل مع تحولات العالم؟ وهذا السؤال لا يخص المملكة العربية السعودية وحدها، بل هو سؤال العصر كله، غير أن التجربة السعودية تقدم فيه إجابات تستحق التأمل والدراسة، لأنها تجربة دولة أدركت أن أقوى الحصون ليس ما يُبنى على الحدود، بل ما يُبنى في العقول.
شرّق وغرّب وسافر عبر الزمن، لا شيء يعدل الوطن..










































