اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
سارة إبراهيم الشهري
يتعلّم كيف ينطق الحرف، ثم كيف يقيم للكلمة وزنًا، وكيف يقرأ ما سطّره غيره، ثم كيف يكتب ما يختلج في نفسه. يتعلم العد والحساب، والبناء والهدم، والصنع والإصلاح؛ ثم يجاوز ذلك كله، فيركب البحر، ويشق الهواء، ويفتح الجسد باحثًا عن موضع الداء، ويرفع بصره إلى السماء ليقيس المسافات بين النجوم..
ويظل يمضي من علمٍ إلى علم، ومن بابٍ إلى باب؛ يأخذ من كل بحرٍ قطرة، ومن كل أفقٍ حاجة، ومن كل مجهولٍ سؤالًا، حتى يخيل إليه، لكثرة ما عرف، أن الجهل قد أخذ يضيق من حوله. ثم يقف أمام إنسانٍ مثله… فتتهاوى أمامه سنين المعرفة، ويبدأ الجهل من جديد. فالإنسان؛ لا تكفيك كلماته لتعرفه، لأن بعضه فيما قال، وأكثره فيما لم يقل. قد يضحك وفي صدره أنين، ويسكت وفي داخله ضجيج، ويقسو لأن شيئًا فيه خائف، ويلين لأن شيئًا فيه منكسر. وقد يبدو قريبًا وهو أبعد الناس، ويبدو بعيدًا وهو القريب.
لا يُقرأ الإنسان كما تُقرأ الكتب؛ فالكتاب إذا فرغت من صفحاته أحطت بشيءٍ من أمره، أمّا الإنسان فقد تقرؤه أعوامًا، ثم تفاجئك منه صفحة لم تعلم أنها كانت فيه. ولا يقاس كما تقاس الأشياء؛ إذ تتبدّل موازينه بتبدل الخوف والرجاء، والحب والخذلان، والذاكرة والغياب، وما تفعله الأيام في مواضع لا يراها أحد. ومن هنا تبدأ أطول علوم الحياة، وأشقها درسًا، وأعسرها امتحانًا: كيف يفهم الإنسان الإنسان؟
فيقضي عمره يتعلم كيف يقترب، وكيف يحب، وكيف يختلف، وكيف يغضب، وكيف يسامح، ومع ذلك.. بلغ البحر، وما بلغ قلب واحد! وقاس المسافة بين الأرض والسماء، وعجز أن يقيس المسافة بينه وبين من يجلس إلى جواره. وتعلّم كيف يُعيد النبض إلى جسد يخبو، ثم يقف عاجزا أمام خاطر مكسور، لا يدري بأي كلمة يجبره، ولا بأي صمت يحفظه.
ومع كل تجربة يسقط وهمٌ، وتولد حكمة حتى تمضي بنا السنون فنفهم أن الحكمة لم تكن يومًا في أن نحيط بالناس علمًا؛ فالسّرائر باب استأثر الله بمفاتحه، والقلوب أرض لا يؤذن لأحد أن يدّعي تمام معرفتها. وإنما الحكمة أن نتعلم كيف نفهم من غير أن نزعم الإحاطة، وكيف نلتمس العذر من غير أن نبرّر الأذى، وكيف نحسن إلى من نعرف، ونرفق بمن نجهل، وندرك أن وراء كل إنسان حكاية لم تروى كاملة.
ولعل أعسر ما في الإنسان أنك تحاول أن تفهمه وأنت إنسان؛ تحاكم نقصه بنقصك، وتقرأ خوفه من خلال مخاوفك، وتقيس وجعه على أوجاعك، ثم تظن أنك رأيته كما هو، وما رأيت في كثير من الأحيان إلا انعكاسك فيه.. وتذكر أن أعظم ما تعلمته، هو مقدار ما لا تعرفه؛ فكل علم في الدنيا قد تبلغ فيه مرتبة الخبير، إلا علم الإنسان؛ تظل فيه تلميذا ما حييت، تفتح لك الأيام صفحة بعد صفحة، ثم تمضي من الدنيا، وفي كتاب البشر فصل لم تفهمه، وفي قلب مررت به سرٌّ لم تدركه، فإنك تموت وفي صفحات حياتك سؤالٌ لم يجد الإنسان له جوابًا بعد.










































