اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
ما حدث اليوم في عمّان ليس حادثة أمنية عابرة يمكن الاكتفاء بإدانتها واستنكارها، بل محطة تستوجب وقفة وطنية جادة ومراجعة شاملة لأساليب مواجهة الإرهاب والتطرف. استشهاد أحد مرتبات الأمن العام، وإصابة ضابط آخر أثناء التصدي للمعتدي، جريمة مؤلمة تتجاوز حدود الاعتداء على رجل أمن؛ فهي اعتداء على أمن المجتمع واستقراره، وتضع أمامنا مسؤولية كبيرة في البحث عن الأسباب والثغرات التي قد تسمح بتكرار مثل هذه الجرائم.
إن ما أشارت إليه النتائج الأولية للتحقيقات بشأن نية المعتدي وتخطيطه لتنفيذ عمل إرهابي يستهدف مرتبات الأمن العام، يجعلنا أمام قضية لا تحتمل الاكتفاء بالإدانة والاستنكار. نحن أمام ضرورة وطنية لمراجعة منظومة الوقاية من التطرف، وتقييم مدى قدرتنا على اكتشاف الخطر قبل أن يتحول إلى جريمة تحصد الأرواح.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن الوطني في الرابع والعشرين من تشرين الأول الماضي، والتي أكدت ضرورة إجراء تقييم أمني شامل، وتطوير إجراءات عملية لتعزيز الجاهزية واستباق التهديدات، إلى جانب مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتكثيف الجهود لمعالجة جذوره ضمن خطة منهجية. وهذه التوجيهات الملكية تشكل أساساً وطنياً للانطلاق نحو مراجعة شاملة، وتحويلها إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ والتقييم.
وهنا تبرز أسئلة جوهرية: كيف نمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات؟ وهل تحقق برامج التأهيل أهدافها في معالجة الفكر المتطرف؟ وهل نقيس نجاح مراكز الإصلاح والتأهيل بعدد المحكومين الذين أنهوا مدة محكوميتهم، أم بمدى التغيير الإيجابي الذي تحققه في فكر الإنسان وسلوكه؟
إن مراكز الإصلاح والتأهيل تؤدي دوراً وطنياً مهماً، والعاملون فيها يتحملون مسؤولية كبيرة، لكن طبيعة التحديات تفرض علينا تقييم نتائج البرامج المطبقة وتطويرها باستمرار. فالإصلاح لا يقتصر على قضاء مدة المحكومية، والتأهيل لا ينبغي أن يكون إجراءً إدارياً، بل عملية متكاملة تستند إلى برامج فكرية ونفسية واجتماعية متخصصة، تراعي اختلاف الحالات، وتقيس مدى التقدم في تغيير القناعات والسلوك. كما أن التعامل مع قضايا التطرف يتطلب خبرات متخصصة وتقييماً مهنياً يساعد على تحديد الاحتياجات والمخاطر، دون افتراض أن جميع الحالات متشابهة.
ولتحويل التوجيهات الملكية إلى عمل مؤسسي، أقترح خطة وطنية بخطوات واضحة:
أولاً، تشكيل لجنة متخصصة تضم خبراء في الأمن والقانون والقضاء وعلم النفس والاجتماع والشؤون الدينية والتربية، لتقييم منظومة مكافحة التطرف والتأهيل، وتحديد مواطن القوة والقصور، ورفع توصيات عملية إلى جلالة الملك.
ثانياً، إخضاع برامج التأهيل في مراكز الإصلاح والتأهيل لتقييم مهني دوري، بمؤشرات تقيس التغير في القناعات والسلوك، وتطوير البرامج وفق نتائج التقييم، والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة.
ثالثاً، وضع آلية قانونية للتقييم والمتابعة بعد الإفراج في الحالات التي تستدعي ذلك، بالتنسيق بين الجهات المختصة، ودراسة وسائل الرقابة الإلكترونية وغيرها من الأدوات التي يسمح بها القانون، مع احترام الحقوق والحريات والضمانات القضائية.
رابعاً، مراجعة إجراءات حماية رجال الأمن والمنشآت الحيوية، وتعزيز التدريب والتوثيق الميداني باستخدام الكاميرات المثبتة على الصدور، وتوفير الحماية القانونية لمن يؤدي واجبه ضمن صلاحياته، مع ضمان المساءلة العادلة.
خامساً، وضع جدول زمني لتنفيذ التوصيات، وتحديد الجهات المسؤولة عن كل إجراء، وقياس النتائج دورياً، حتى لا تبقى المراجعات مجرد تقارير وتوصيات لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
لقد كتبنا مراراً عن مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة ودور العباده في مواجهة التطرف، لكن مسؤولية مؤسسات الإصلاح والتأهيل لا تقل أهمية. كما أن حماية المجتمع لا تتحقق بتشديد الإجراءات وحده، بل بالوقاية المبكرة، والتأهيل الفعال، والمتابعة القانونية، والتنسيق المؤسسي.
رحم الله شهيد الواجب، وشفى الضابط المصاب، وحمى الأردن وأجهزته الأمنية.
إن المطلوب اليوم ليس البحث عن جهة نحمّلها المسؤولية قبل اكتمال التحقيق، بل البناء على التوجيهات الملكية وتطوير منظومة أكثر قدرة على منع الخطر قبل وقوعه. فالسؤال الحقيقي ليس فقط كيف وقعت الجريمة، بل ماذا سنراجع ونطوّر في إجراءاتنا وبرامجنا حتى لا تتكرر؟












































