اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
الرياض - الثقافي
صدر حديثًا عدد نوفمبر – ديسمبر 2025م من مجلة الفيصل (العددين 589–590)، حاملاً ملفًا فكريًا موسعًا يتناول واحدة من أبرز القضايا الثقافية والفكرية في العالم المعاصر، تحت عنوان: 'صعود الخصوصيات الثقافية'، في قراءة معمّقة للتحولات التي تشهدها الهويات الثقافية في ظل العولمة، وتنامي النزعات المحلية، وتغيّر أنماط التفاعل بين الثقافات.
ويقدّم العدد رؤية تحليلية تتجاوز الطرح التقليدي القائم على ثنائية 'العولمة مقابل الهوية'، ليؤكد أن العالم لا يتجه بالضرورة إلى الذوبان الثقافي، بل يشهد عودة متنامية للخصوصيات بوصفها ردّ فعل على التوحيد القسري للأنماط والقيم. ويطرح الملف سؤالًا مركزيًا حول قدرة الثقافات المختلفة على التعايش في فضاء عالمي واحد دون إلغاء أو إقصاء، مؤكدًا أن الخصوصية الثقافية لم تعد نقيضًا للانفتاح، بل صيغة جديدة للتفاعل الإنساني.
ويضم ملف العدد مجموعة من الدراسات والمقالات الفكرية التي تناولت علاقة الغرب بالعالم، وسؤال العالمية والخصوصية، وجدلية العولمة وصعود الهويات المحلية، إضافة إلى مقاربات تتناول القومية الدينية، والهويات التي تعود من الهامش إلى مركز النقاش الثقافي، في عالم يدّعي التوحّد بينما تتزايد فيه مظاهر الاختلاف.
وفي باب القضايا، يسلّط العدد الضوء على حضور القضية الفلسطينية في السينما العالمية، متناولًا مواقف المهرجانات والفاعلين الثقافيين، ومؤكدًا أن السينما لم تعد فضاءً محايدًا، بل أصبحت اختبارًا أخلاقيًا وإنسانيًا للضمير الثقافي العالمي. ويرى الطرح أن الفن، حين يتعامل مع القضايا العادلة، يتحوّل من مادة جمالية إلى موقف إنساني يتطلب وعيًا وشجاعة في الاختيار.
كما يتضمن العدد قراءة فلسفية في تجربة الشاعر والفيلسوف الإيطالي جياكومو ليوباردي، من زاوية موقفه من الإنسان والعدالة، حيث يناقش النص مفهوم الإنصاف بعيدًا عن الانحياز الأيديولوجي، مؤكدًا أن العدالة الحقيقية لا تُبنى على طرف واحد، بل على رؤية أخلاقية شاملة.
وفي محور الأدب، يناقش العدد ما اصطلح عليه بـ'أدب الاحتضار'، بوصفه تجربة كتابية تواجه الموت لا بالإنكار، بل بالوعي والتأمل، حيث تُقدَّم الكتابة كفعل مقاومة إنسانية في مواجهة الفناء. ويستعرض هذا المحور نماذج أدبية عكست تجربة المرض أو الاقتراب من الموت، بوصفها لحظة كشف عميقة للذات والعالم.
كما يولي العدد اهتمامًا بالشعر السعودي، من خلال قراءة في تجربة الشاعر إبراهيم مبارك، التي تطرح الشعر بوصفه مساحة للتفكير وإعادة مساءلة اللغة والمعنى، إلى جانب تناول العلاقة بين الشعر العربي والذكاء الاصطناعي، وما تثيره من أسئلة حول الإبداع والحدود بين الإنسان والتقنية.
وفي باب السينما والفنون، يقدّم العدد حوارًا مع الكاتبة والمهتمَّة بالنقد الفنيّ السينمائي مها سلطان، تناقش فيه واقع السينما السعودية، وإشكالية التكرار السردي، ودور السينما بوصفها أداة لتشكيل الوعي الجمعي، مؤكدة أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من الإنتاج الكمي إلى المغامرة الجمالية والفكرية.
أما في باب الكتب، فيستعرض العدد مجموعة من الإصدارات الأدبية والفكرية الجديدة، التي تنوّعت بين الرواية، والشعر، والسيرة، في مشهد يعكس حيوية الحراك الثقافي العربي، ويؤكد دور الكتاب بوصفه شاهدًا على التحولات الاجتماعية والفكرية.
ويختتم العدد بتغطية ثقافية خاصة لاحتفاء مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بيوم المخطوط العربي، مسلطًا الضوء على الجهود السعودية في حفظ التراث المخطوط وصون الذاكرة العربية والإسلامية، بوصف المخطوطات جسرًا حيًا يربط الماضي بالمعرفة المعاصرة.
ويعكس هذا العدد من مجلة الفيصل توجهها المستمر نحو تقديم محتوى فكري متوازن يجمع بين التحليل العميق ومواكبة القضايا الراهنة، مؤكدة مكانتها منصة ثقافية تسائل التحولات العالمية، وتعيد طرح سؤال الهوية بوصفه سؤال العصر، لا بوصفه حنينًا إلى الماضي، بل باعتباره مشروعًا إنسانيًا مفتوحًا على الحوار والتنوّع.










































