اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ٢٢ أيار ٢٠٢٦
#سواليف
لم تعد الحملة الإسرائيلية ضد المؤسسات الحقوقية المستقلة مجرد رد فعل إعلامي عابر على تقرير أو شهادة أو تحقيق صحفي، بل تحولت إلى سياسة متكاملة تستهدف كل من يقترب من الحقيقة ويوثق الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، لا سيما في قطاع غزة وداخل مراكز الاحتجاز والسجون الإسرائيلية. وما يتعرض له المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم، وما أتعرض له شخصيًا، لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع؛ سياق الحرب المنظمة على التوثيق، وعلى كل جهد مهني مستقل يحاول نقل الحقيقة إلى العالم.
إسرائيل تدرك جيدًا أن التقارير الحقوقية المستقلة لم تعد مجرد بيانات إعلامية عابرة، بل أصبحت جزءًا من بنية الوعي الدولي والمساءلة القانونية، ومصدرًا أساسيًا للصحافة والآليات الأممية والهيئات القضائية الدولية. لذلك لا تكتفي بمحاولة إنكار الوقائع، بل تستهدف الجهة التي توثقها؛ لأن ضرب مصداقية الموثّق، في الحساب الإسرائيلي، هو الطريق الأسرع للتهرب من مواجهة الجريمة نفسها، وإعادة تقديم إسرائيل كضحية لحملة مزعومة بدل التعامل معها كدولة متورطة بانتهاكات خطيرة ومطالبة بفتح سجلاتها ومراكز احتجازها للتحقيق المستقل.
وقد استهدفت إسرائيل، في إطار نقل المعركة من الجريمة إلى من يكشفها، مؤسسات حقوقية وإنسانية فلسطينية ودولية، وآليات أممية، وضيّقت على عملها، ورفضت تجديد تسجيل عشرات المنظمات الدولية لعدم رضوخها لشروطها غير القانونية. كما حرّضت على الصحفيين وقتلت العشرات منهم في غزة، وهددت آخرين، واتبعت النهج ذاته ضد المدافعين عن حقوق الإنسان. كل ذلك عبارة عن سياسة ممنهجة هدفها رفع كلفة التوثيق، وترهيب كل من يكشف الوقائع أو ينقلها أو يطالب بالتحقيق فيها.
قدّمت إسرائيل نفسها دوليًا بوصفها الضحيةَ الحصرية لعنف غير مسبوق، واستخدمت هذا الموقع الأخلاقي لتبرير سياساتها ونهجها الإبادي. فظهور شهادات جدية ومتعددة عن اغتصاب وتعذيب جنسي داخل مراكز احتجازها لا يهدد صورتها فحسب، بل يعيد توجيه الأسئلة نحو ما ترتكبه هي داخل منظومة تسيطر عليها بالكامل
هذه الحملة ليست جديدة بالنسبة لنا؛ فقد تعرّض المرصد الأورومتوسطي، وتعرّضتُ شخصيًا، لمحاولات تشويه متكررة من جهات ولوبيات مرتبطة بإسرائيل، سعت إلى النيل من مصداقيتنا بسبب عملنا الحقوقي. وفي أكثر من حالة، اضطررت إلى اللجوء للقضاء ضد جهات نشرت ادعاءات كاذبة وتشهيرية، وانتهت هذه القضايا بإدانتها وإلزامها بالاعتذار والتعويض، ما يؤكد أن الاتهامات ضدنا لا تصمد عندما تُعرض أمام جهة قضائية مستقلة، وأن استهدافنا لا يتعلق بخلل في عملنا، بل بأثر هذا العمل في كشف الانتهاكات ودعم مسارات المساءلة.
ما أقلق إسرائيل حقًالم يكن نشر تحقيق صحيفة نيويورك تايمز وحده، بل الطبيعة المركّبة لذلك التحقيق: العنف الجنسي، ومعتقلون فلسطينيون، وصحيفة عالمية، وصحفي دولي بارز كنيكولاس كريستوف. هذا نقل الملف من دائرة التقارير الحقوقية، التي تسعى إسرائيل عادة إلى عزلها والتشكيك فيها، إلى دائرة الرأي العام الغربي والمؤسسات الإعلامية والقانونية التي يصعب تجاهلها.
كما يضرب هذا الملف نقطة مركزية في السردية الإسرائيلية ما بعد السابع من أكتوبر؛ إذ قدّمت إسرائيل نفسها دوليًا بوصفها الضحيةَ الحصرية لعنف غير مسبوق، واستخدمت هذا الموقع الأخلاقي لتبرير سياساتها ونهجها الإبادي. فظهور شهادات جدية ومتعددة عن اغتصاب وتعذيب جنسي داخل مراكز احتجازها لا يهدد صورتها فحسب، بل يعيد توجيه الأسئلة نحو ما ترتكبه هي داخل منظومة تسيطر عليها بالكامل.
إسرائيل تدرك أيضًا أن تراكم الشهادات والتقارير لم يعد في صالحها. فعندما يدور الحديث عن نمط منهجي من التعذيب والعنف الجنسي داخل السجون ومراكز الاحتجاز، لا يبقى الأمر فضيحة إعلامية فقط، بل يصبح سؤالًا عن سياسة، وعن علم القيادات، وعن التسامح المؤسسي، وعن الفشل في المنع والمحاسبة، وهي كلها أسئلة تفتح باب المسؤولية القانونية والسياسية على مستويات أعلى.
الادعاء بأننا كنا وراء تحقيق نيويورك تايمزمضلِّل في جوهره، لأنه يختزل عملًاصحفيًارفيعًاأجرته صحيفة دولية كبرى وصحفيمخضرم في رواية سياسية هدفها التشكيك لا التحقق.كريستوف أوضح أن ما نشره استند إلى مقابلاتمباشرة مع 14 رجلًاوامرأة أفادوا بتعرضهم لانتهاكات جنسية على أيدي قواتأمن ومحققين إسرائيليين، وأن هذه الروايات خضعت للتدقيق والمقارنة مع شهود ومحامينوأقارب. هذا مسار تحقق صحفي مستقل، لا ادعاء منفرد ولا مصدر وحيد.
تواصل الصحفيين مع منظمات حقوقية ليسمؤامرة، بل جزء طبيعي من العمل المهني، خصوصًا حين تمنع إسرائيل الوصول المستقلإلى غزة ومراكز الاحتجاز وتحجب السجلات والكاميرات والملفات الطبية. لا يمكن أنتغلق إسرائيل أبواب التحقق، ثم تهاجم كل من يسعى إلى الحقيقة عبر الطرق المتاحة.
والأهم أن الوقائع التي تناولها التحقيق لاتقف وحدها، بل تتقاطع مع مسار توثيقي أوسع شاركت فيه جهات أممية مستقلة، ومؤسساتفلسطينية ذات خبرة ميدانية، ومنظمات إسرائيلية مستقلة كبتسيلم وأطباء من أجل حقوقالإنسان في إسرائيل.
الحملة لا تقدّم أدلة، بل تقدّم مادة تشويهصممت لتؤدي وظيفة الدليل لدى من يريد تصديقها، من دون أن تكون دليلًافيحقيقتها. فهي لا تقول إن شهادة محددة اختلقت، ولا إن واقعة بعينها حرّفت، ولاإن تقريرًاللمرصد ثبت خطؤه. ما يتداول يقوم في معظمه على اجتزاء منشورات، وإعادةتدوير صور، واستدعاء امتدادات عائلية لتصنيع شبهة.
أنا فلسطيني وابن غزة، ولا أتنصل من مجتمعيولا من معاناة شعبي. فقدت شقيقتي وأطفالها وعشرات من أفراد عائلتي بفعل آلة القتلالإسرائيلية. هذا لا يجعلني أقل مهنية، ولا يسلبني الحق في العمل الحقوقي، ولايبيح لإسرائيل أن تستخدم هويتي ومعاناتي سلاحًالتشويه عملي. الموضوعية والمهنية لاتعني التجرد من الإنسانية أو الصمت أمام الجرائم، بل يعني مواجهة الجريمةبالمنهجية والدقة والتحقق والقانون.
وفي كل الأحوال تقارير المرصد لا تقوم على الهوية الشخصية لأي فرد فيه، بل على منهجيات توثيق واضحة: مقابلات مباشرة، وفحص اتساق الشهادات، ومقاطعة المعلومات، وتقييم المصادر، وتحليل الأنماط، ومراعاة حماية الضحايا والشهود، ثم قراءة الوقائع في ضوء القانون الدولي. إذا كانت إسرائيل تريد الطعن في هذه التقارير، فلترد على المنهجية والوقائع والشهادات، لا على العائلة أو الخلفية أو الصور المجتزأة.
وإذا كانت إسرائيل تعتقد أن ما نشر وما وثقناه نحن وغيرنا غيرصحيح، فالمسار واضح: أن تفتح مراكز الاحتجاز أمام تحقيق مستقل، وأن تسمح للجنةالدولية للصليب الأحمر والمحققين الدوليين بالوصول، وأن تقدّم السجلات الطبيةوتسجيلات الكاميرات وملفات التحقيق. أما مهاجمة المرصد أو الصحفي أو الصحيفة فلاتفند شهادة واحدة، ولا تبطل واقعة واحدة، ولا تعفي إسرائيل من واجب المساءلة.
الأخطر في هذه الحملة أنها لا تستهدفناوحدنا، بل تستهدف البيئة التي تجعل التوثيق ممكنًا. عندما تشهّر إسرائيلبالمنظمات، وتهدد الصحفيين، وتلاحق الشهود، وتخوّف الضحايا، فهي تحاول إنتاج صمتجماعي حول الجرائم. وهذا ما نلمسه فعلًا: كثير من الضحايا والشهود يترددون فيالحديث، ليس لأنهم لا يملكون شهادات، بل لأنهم يخشون الانتقام والتشهير وتعرّضهموعائلاتهم للخطر، في ظل استمرار الإبادة والحصار وانعدام الحماية.
دخول رئيس حكومة الاحتلال ووزير الخارجية وأجهزةرسمية على خط الهجوم يرسل رسالة إلى الصحفيين والمنظمات والضحايا والشهود مفادهاأن الاقتراب من ملف السجون والتعذيب والعنف الجنسي والاحتجاز السري سيقابل بثمنسياسي وإعلامي وشخصي. بهذا المعنى، الحملة لا تستهدف الماضي فحسب، بل تستهدف منعالتوثيق القادم.
نتعامل مع هذه الحملة بجدية كاملة ونضعمخاطرها أمام الأمم المتحدة والدول والآليات الدولية وكل الجهات المعنية بحمايةالمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين، ونحمّل إسرائيل المسؤولية الكاملة عن أيمساس بطواقمنا أو بالشهود أو الضحايا أو المتعاونين معنا.
في الوقت ذاته، يجب أن يكون واضحًاأن هذهالحملة لن توقف عملنا. لم نبدأ التوثيق لأن الظروف كانت آمنة أو سهلة، ولن نتوقفلأن إسرائيل قررت أن ترفع كلفته. التراجع أمام الترهيب يعني ترك الضحايا بلا صوت،والجرائم بلا سجل، والجناة بلا مساءلة.
في كل الأحوال، فإن التصدي لهذه الحملة لا يتعلق بحماية المرصدوحده أو شخص بعينه، بل بحماية مساحة العمل الحقوقي المستقل وحماية الصحافة المهنيةوحماية حق الناس في الحقيقة والعدالة. وهو دفاع عن المنظومة الدولية ذاتها، لأنالمؤسسات الحقوقية والصحافة المستقلة وآليات التوثيق والمساءلة تشكّل أحد الشروطالأساسية لفاعلية القانون الدولي وعدم تحوّله إلى نصوص بلا أثر. فإذا نجحت إسرائيلفي ترهيب من يوثق، فلن يكون المتضرر الأول المرصد، بل الضحايا الذين ستدفنشهاداتهم، والجرائم التي سيسمح لها بأن تبقى بلا مساءلة، لكل ذلك نقول بحسم: لن نتوقف حتى تحقق المساءلة والعدالة.












































