اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د.سعود المريشد
في الأصل اعتمد مبدأ العقود التي تعد سندات تنفيذية بوصفه خطوة متقدمة نحو تحقيق ما يعرف بالعدالة الوقائية لتسريع استيفاء الحقوق دون الحاجة لتحمل طول أمد التقاضي؛ فهذه العقود متى اشتملت على التزامات مالية محددة ومحررة وفق الأنظمة المعتمدة، تمنح الطرف الدائن أداة مباشرة للنفاذ بحقوقه أمام محاكم التنفيذ دون حاجة إلى رفع دعوى موضوعية؛ وقد كانت الغاية النبيلة من هذا التنظيم تخفيف العبء على المحاكم، وتعزيز الثقة في المعاملات بين الأفراد والمؤسسات على اختلاف أنواعها، سواء أكانت عقود إيجار أعيان أو عقود تقديم خدمات وغيرها، مما تضمنه نظام التنفيذ وأُلحق به كعقود تمثل سندات تنفيذية مباشرة؛ بحيث يغدو الالتزام القانوني أكثر التزاماً ذاتياً، وأقل اعتماداً على الإجراءات القضائية المطولة نتيجة وضوح البنود التعاقدية التي تحمي حقوق كافة أطرافها.
غير أن بعض التطبيقات العملية أفرغت الفكرة من مضمونها العادل، إذ تحولت بعض هذه السندات التنفيذية في أيدي بعض الأطراف ذوي النفوذ التعاقدي من أداة لحماية الحقوق إلى وسيلة ضغط وابتزاز على الطرف الأضعف؛ فثمة حالات ترفع فيها طلبات تنفيذ بمبالغ مضخمة نتيجة أضرار بسيطة أو بزعم أضرار لم تقع، لا بقصد الاستيفاء الحقيقي للتعويض، بل للمساومة على التنازل مقابل مبالغ أيسر قبولاً؛ وهذا النمط من الاستغلال تم رصده مثلاً في عقود تأجير السيارات الموحدة باعتبارها سندات تنفيذية مباشرة مستغلة طبيعة هذه العقود التي تتيح لها التوجه مباشرة إلى محاكم التنفيذ؛ وهنا ينقلب هدف النظام الأصيل رأساً على عقب، من درع يحمي صاحب الحق، إلى سيف يشهر في وجه المستأجر حسن النية ويعاقب به بدلاً من أن يطمئن إلى وضوح العقد الذي وقعه، مما يفقد العقود التنفيذية قيمتها كأداة أمان، ويجعل من سرعة التنفيذ أولوية تتقدم على جوهر العدالة.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة لمراجعة منظومة السندات التنفيذية مراجعة شاملة، فليست المشكلة في النصوص بل في الممارسة الفعلية واختلال موازين التطبيق؛ ولعل من أبرز ما يمكن اقتراحه هو أن تخضع وزارة العدل والجهات الرقابية ذات الصلة أنواعاً بعينها من العقود الأكثر شعبية لمراجعة فنية قبل اعتمادها كسندات تنفيذية، وأن يشترط لذلك تحقق التوازن الفعلي بين أطرافها وعدم استغلال البنود القياسية في غير مقصدها؛ كما نقترح دراسة إنشاء آلية رقابية أو منصة تظلم مستقلة لمراجعة دعاوى التنفيذ القائمة على عقود ذات طابع أنتشار واسع كعقود تأجير السيارات الموحدة، لا سيما حين يختل فيها التوازن بين طرف محترف وآخر عادي؛ فصون ثقة الناس في الأنظمة وحفظ هيبة العدالة ليسا مجالاً للتساهل في الممارسات المقننة، بل هما الغاية التي أُنشئت هذه السندات أصلاً لترسيخها وحمايتها.










































