اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. مها الدخيل
حين يجتمع العلم بالهوية الثقافية، وتلتقي طموحات المستقبل بجذور الانتماء، تصبح المشاركة في المحافل العلمية الدولية أكثر من مجرد فرصة لتبادل المعرفة والخبرات، بل مسؤولية وطنية وفرصة لإبراز ما تمتلكه أوطاننا الخليجية من كفاءات بشرية وطموحات علمية قادرة على المنافسة والإسهام في مسيرة التقدم العالمي، وقد استشعرت هذه المسؤولية حين تشرفت بتلقي دعوة من جمهورية الصين الشعبية وتحديداً من الرابطة العالمية للعلماء للمشاركة في القمة العالمية للعلماء الشباب (WYSS 2026) التي أُقيمت في مدينة ونتشو خلال الأسبوع الماضي، حيث أُتيحت لي فرصة الاطلاع عن قرب على التجربة الصينية في الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي، والتعرف على عدد من المؤسسات والمختبرات التي تعمل على تطوير ابتكارات علمية واعدة.
وقد شاركنا خلال القمة في لقاءات وحوارات علمية تناولت الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الطبية وتطوير التعليم، إلى جانب بحث فرص التعاون مع علماء وباحثين من دول عديدة، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا والأرجنتين وإيطاليا وكوريا وجنوب أفريقيا والمغرب وماليزيا، وغيرها. وبكوني الخليجية الوحيدة ضمن الوفد المشارك، منحني هذا الأمر شعوراً خاصاً بالمسؤولية الوطنية والفخر بتمثيل منطقتنا العربية والخليجية في هذا المحفل الدولي. وناقشنا الجهود التي تبذلها حكومات دول مجلس التعاون في دعم البحث العلمي والابتكار، ورعاية المواهب الشابة والمبدعين، وتوفير الفرص والإمكانات التي تساعدهم على تحقيق طموحاتهم العلمية، كما استمعنا إلى آراء الباحثين المشاركين وانطباعاتهم عن دول الخليج، وكان من دواعي سروري أن أجد لديهم صورة إيجابية عن منطقتنا الخليجية، فهم يروننا دولا متقدمة، وغنية بالموارد والإمكانات، ونشهد تطوراً علمياً وتكنولوجياً متسارعاً في التحول الرقمي، ولدينا المقومات البشرية والاقتصادية والتقنية التي تؤهلنا لتحقيق مزيد من الإنجازات. وقد أسعدني هذا التقدير، وعزز فخري بما حققته أوطاننا من تقدم، وبالمكانة التي أصبحت تحظى بها لدى العلماء من مختلف دول العالم.
ولفت انتباهي اهتمام الصين باستقطاب الكفاءات والعقول العربية والأجنبية، وتوسيع التعاون البحثي الدولي، إلى جانب قدرتها على ربط المختبرات بالقطاعات الطبية والصناعية والتكنولوجية، وتحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات عملية تخدم التنمية والمجتمع، وتحقق عوائد اقتصادية تسهم في دعم الاقتصاد الصيني. ومن الرائع أن يكون للبحث العلمي مردود اقتصادي كبير، قد تصل قيمته إلى ملايين الدولارات.
وتتميز الصين بوجود مختبرات طبية ورقمية متقدمة، من بينها مختبر 'أوجيانغ' حيث اطلعت على أبحاث متقدمة في الذكاء الاصطناعي والمعلوماتية الحيوية، من بينها تطوير نظارات ذكية لاستخدامات طبية وعلاجية، وأبحاث تستكشف توظيف التقنيات الحديثة في تشخيص أمراض الدماغ وعلاجها. وقد عززت هذه الزيارة قناعتي أن مستقبل الطب سيتجه بصورة متزايدة نحو التكامل بين العلوم الطبية والهندسة الذكية. كما زرنا ميناء أمن البيانات في ونتشو، حيث تعرفنا على الاهتمام الصيني بتطوير البنية التحتية الرقمية الوطنية، والاعتماد على الخوادم والخدمات السحابية المحلية الصينية، بما يلغي الحاجة إلى الاعتماد على خدمات الحوسبة السحابية الأجنبية، مثل خدمات شركة أمازون الأميركية. ويهدف هذا التوجه لتعزيز السيادة على البيانات وحماية المعلومات الحساسة، خصوصًا السياسية والعسكرية، وهو توجه يستحق الاهتمام في ظل الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للأمن الرقمي والحماية السيبرانية.
ومن النتائج المهمة لهذه القمة، فتح آفاق للتعاون البحثي مع عدد من الباحثين الدوليين، حيث أجرينا مناقشات علمية عن إعداد ونشر أبحاث مشتركة في مجال تطوير التعليم باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يسهم في إنتاج معرفة جديدة وتقديم حلول مبتكرة للمؤسسات التعليمية.
وخلال هذه التجربة، كان تفكيري يتجه باستمرار لمستقبلنا في دول الخليج، فنحن -بفضل الله- نمتلك كفاءات بشرية وإمكانات اقتصادية وعلمية وتكنولوجية تؤهلنا لتحقيق أعلى المؤشرات العالمية في جودة التعليم. ولدينا أجيال شابة من العلماء والباحثين والمبتكرين، وجامعات ومراكز بحثية متطورة، فضلًا عن الدعم الكبير الذي توليه قيادات دولنا للتعليم والبحث العلمي والابتكار.
وأعتقد أننا بدأنا بالفعل مرحلة التفوق العلمي والتكنولوجي في عدد من المجالات، وأصبحنا ننتقل تدريجيًا من استيراد المعرفة إلى المشاركة في إنتاجها وتطويرها، وهو ما تعكسه الإنجازات الخليجية في علوم الفضاء والذكاء الاصطناعي والتقنيات الطبية والطاقة المتجددة. وأرى أن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدًا من التعاون البحثي بين دول المجلس، ودعم المبتكرين الشباب لتحويل أفكارهم إلى اختراعات وتقنيات ومنتجات تصل إلى الأسواق العالمية، وتحقق لهم عوائد مالية مجزية، وتسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني.
وفي ختام رحلتي، عدت من الصين محملة بالكثير من الأفكار والطموحات، وبقناعة متجددة أن الاستثمار في العقول هو أساس نهضة الأمم. وعززت هذه التجربة فخري بانتمائي إلى أمتنا العربية ومجتمعنا الخليجي، وثقتي أن أبناء منطقتنا يمتلكون القدرة على المنافسة والإبداع وصناعة مستقبل علمي مشرف.. فطموحنا لا ينبغي أن يقتصر على مواكبة التقدم العالمي، بل أن نكون من صُنّاعه ورواده، وأن تحمل ابتكارات المستقبل أسماء علماء وباحثين من أوطاننا، وتعكس هويتنا الوطنية وثقافتنا الأصيلة.










































