اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
لم تعد الحرب تحتاج إلى دبابة تعبر الحدود، ولا إلى طائرة تقصف مدينة، ولا إلى صاروخ يترك وراءه حفرة في الأرض، فأحياناً يكفي سطر من الشيفرة، أو ضغطة زر، لكي تتوقف مستشفى، أو تنقطع الكهرباء، أو تتعطل شبكة مياه، أو تُشل مؤسسة بأكملها، وهنا تبدأ واحدة من أخطر معارك القانون الدولي في العصر الحديث تتمثل في كيف نحمي الإنسان عندما تصبح الحرب رقمية؟
فلقد تغيرت طبيعة النزاعات المسلحة بصورة لم يعد معها الفضاء السيبراني مجرد مجال تقني أو أمني، بل أصبح ساحة حقيقية للصراع الدولي، والدول والجماعات المسلحة لم تعد تتنافس فقط على الأرض وفي الجو والبحر، وإنما تتواجه أيضاً داخل شبكات الحاسوب وقواعد البيانات وأنظمة الاتصالات والبنية التحتية الرقمية، والأخطر أن الهجوم السيبراني قد يحقق أهدافاً عسكرية واستراتيجية هائلة من دون أن تُسمع طلقة واحدة، وهنا تكمن المفارقة؛ حيث أن القانون الدولي الإنساني نشأ لحماية الإنسان من وحشية الحرب، لكن الحرب نفسها تتغير بسرعة تفوق سرعة تطور القواعد القانونية التي تحكمها.
ضغطة الزر أصبحت سلاحاً؛ فالقانون الدولي الإنساني وضع مجموعة من المبادئ الأساسية لتنظيم سلوك أطراف النزاعات المسلحة، وفي مقدمتها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومبدأ التناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين، لكن ماذا يحدث عندما يكون السلاح عبارة عن برنامج حاسوبي؟ وماذا لو استهدف هجوم سيبراني نظاماً عسكرياً، لكنه امتد إلى شبكة مدنية مرتبطة به؟ وماذا لو أدى اختراق نظام مستشفى إلى تعطيل أجهزة طبية أو ملفات المرضى؟ وماذا لو أدى تعطيل شبكة الكهرباء إلى توقف المستشفيات ومحطات المياه والمرافق الحيوية؟ فهل نقول إننا أمام «هجوم» بالمعنى الذي قصده القانون الدولي الإنساني، رغم عدم سقوط قنبلة واحدة؟ وهذه الأسئلة لم تعد ترفاً أكاديمياً، بل أصبحت جزءاً من الواقع الأمني والقانوني للنزاعات الحديثة.
وهنا بات المدنيون في مرمى النيران الرقمية؛ فربما كان أكثر ما يثير القلق أن المدنيين قد يصبحون الضحية الأسهل في الحرب السيبرانية، فالبنية التحتية الحديثة متشابكة بصورة تجعل الفصل بين العسكري والمدني أكثر صعوبة، بما يشمل الكهرباء والمياه والاتصالات والمصارف والمستشفيات والنقل تعتمد جميعها على أنظمة رقمية مترابطة، وبالتالي فإن استهداف منظومة واحدة قد ينتج عنه أثر متسلسل يصعب السيطرة عليه، كما يصبح مبدأ التمييز أمام اختبار غير مسبوق، فليس من المقبول أن تتحول عبارة «الاستخدام المزدوج» إلى مبرر لاستهداف كل بنية تحتية مدنية ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمؤسسة عسكرية، وإلا فإننا نكون أمام نتيجة خطيرة تتمثل بتوسيع دائرة الأهداف العسكرية على حساب دائرة الحماية المدنية.
وبالنظر إلى مبدأ التناسب، تظهر إشكالية كيف نقيس الضرر؟ ففي الحرب التقليدية يمكن تقدير حجم الانفجار ومكان سقوط القنبلة ونطاق الدمار بصورة نسبية، أما في الهجمات السيبرانية، فقد يبدأ الضرر صغيراً ثم يتضاعف بصورة متسارعة، وقد يؤدي تعطيل خادم إلى توقف نظام معلومات، ثم إلى تعطل خدمة، ثم إلى تعطيل مؤسسة، ثم إلى آثار إنسانية واسعة، فكيف يمكن للقائد العسكري أن يطبق مبدأ التناسب إذا كانت النتائج الحقيقية للهجوم السيبراني غير قابلة للتنبؤ بصورة كاملة؟
وهنا يجب أن يتطور مفهوم «الضرر» في القانون الدولي الإنساني، فالضرر ليس بالضرورة جداراً انهار أو مبنى احترق، وقد يكون الضرر وظيفياً؛ مثل مستشفى لا يستطيع استقبال المرضى، أو شبكة مياه لا تستطيع ضخ المياه، أو مؤسسة إغاثية تفقد بيانات المستفيدين.
وفي العصر الرقمي، قد يكون فقدان الوظيفة أخطر من فقدان المبنى، والمشكلة الأخطر هي من فعلها؟ وإذا كانت القذيفة تحمل شارة جيش معين، يمكن معرفة مصدرها في الغالب، أما في الفضاء السيبراني، فالأمر مختلف تماماً، حيث يمكن للمهاجم أن يستخدم خوادم في دولة ثالثة، أو أدوات مسروقة، أو حسابات وهمية، أو جماعات تعمل بالوكالة، أو حتى ينفذ هجوماً مصمماً لإيهام العالم بأن دولة أخرى هي التي تقف وراءه.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المشكلات تعقيداً في القانون الدولي وهي الإسناد؛ فإثبات وقوع الهجوم شيء، وإثبات هوية مرتكبه شيء آخر، وإثبات هوية الفاعل التقني لا يعني بالضرورة إثبات المسؤولية القانونية للدولة، ومن هنا فإن الحرب السيبرانية لا تهدد الأمن فحسب؛ بل تهدد أيضاً أحد الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي، وهو إمكانية تحديد المسؤولية عن الأفعال غير المشروعة.
وفي الإطار ذاته فإن الحرب الهجينة تجعل الحدود بين الحرب والسلم تختفي، والأخطر من ذلك أن الهجمات السيبرانية أصبحت جزءاً من مفهوم أوسع هو الحرب الهجينة، وقد تتعرض دولة لسلسلة من الهجمات الإلكترونية، وحملات تضليل، واستهداف للبنية التحتية، وعمليات تجسس، وضغوط اقتصادية، دون أن تعلن الحرب عليها رسمياً، وهنا نجد أنفسنا أمام «منطقة رمادية» بين الحرب والسلم، فهل كل هجوم إلكتروني يُعد استخداماً للقوة؟ وهل كل استخدام للقوة يؤدي إلى قيام نزاع مسلح؟ ومتى يصبح الهجوم السيبراني خاضعاً لقواعد القانون الدولي الإنساني؟ هذه الأسئلة تكشف أن النظام القانوني الدولي يواجه تحدياً يتجاوز مجرد تفسير النصوص القائمة؛ إنه يواجه تحولاً في طبيعة القوة نفسها.
والذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام مرحلة أخطر، فإذا كان الهجوم السيبراني يمثل تحدياً للقانون الدولي الإنساني، فإن دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال قد يجعل التحدي أكبر بكثير، والذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرع اكتشاف الثغرات، وتحليل الشبكات، وتحديد نقاط الضعف، وأتمتة بعض عمليات الاختراق، بل وقد يزيد قدرة الأنظمة على التكيف مع دفاعات الخصم، وهنا يظهر سؤال بالغ الخطورة، يتمثل بماذا يحدث عندما تصبح سرعة الآلة أكبر من قدرة الإنسان على التدخل؟ ذلك أن القانون الدولي الإنساني يقوم في جوهره على المسؤولية الإنسانية عن القرارات التي تؤثر في حياة البشر، لكن كلما ازدادت العمليات العسكرية اعتماداً على أنظمة ذاتية أو شبه ذاتية، ازدادت الحاجة إلى إبقاء القرار البشري الحقيقي في قلب العمليات التي قد تؤدي إلى أضرار جسيمة، فالخوارزمية لا ينبغي أن تصبح ذريعة للهروب من المسؤولية.
فهل نحتاج إلى قانون دولي إنساني رقمي؟ والسؤال لم يعد هل تكفي القواعد الحالية فقط، بل أصبح السؤال هل تستطيع القواعد الحالية أن تحمي الإنسان في حرب لم تكن موجودة عندما صيغت معظم هذه القواعد؟ وهناك من يرى أن مبادئ القانون الدولي الإنساني تتمتع بالمرونة الكافية لتطبيقها على العمليات السيبرانية، وأن القانون لا يحمي الإنسان من نوع معين من الأسلحة، وإنما يحميه من آثار الحرب أياً كانت الوسيلة، وهذا اتجاه قوي ومنطقي، لكن في المقابل، فإن خصوصية الفضاء السيبراني تفرض الحاجة إلى قواعد تفسيرية أكثر وضوحاً، وربما إلى صكوك دولية جديدة تحدد بصورة أدق؛ متى يعتبر الهجوم السيبراني هجوماً في مفهوم القانون الدولي الإنساني؟ وما حدود استهداف البنية التحتية الرقمية المدنية؟ وكيف تحمى المستشفيات والأنظمة الصحية رقمياً؟ وكيف تقاس الأضرار غير المادية؟ وكيف تثبت مسؤولية الدول عن الهجمات التي تنفذها جهات تعمل بالوكالة؟ وكيف تتم حماية المنظمات الإنسانية وبيانات المدنيين؟ ووما هي الحدود القانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات السيبرانية؟ لأن ترك هذه الأسئلة بلا إجابات واضحة يعني أن القانون قد يصل دائماً متأخراً، بعد أن يكون الضرر قد وقع.
فنحن أمام سباق بين التكنولوجيا والقانون؛ والمشكلة الحقيقية ليست في التكنولوجيا بحد ذاتها، وإنما في الفجوة بين سرعة التطور التقني وبطء التطور القانوني، والتكنولوجيا تستطيع أن تتغير خلال أشهر، بينما قد تحتاج قواعد القانون الدولي إلى سنوات طويلة من المفاوضات حتى ترى النور، وفي هذه الفجوة قد تقع الكارثة، ولهذا فإن المجتمع الدولي مطالب اليوم بالانتقال من مرحلة انتظار الهجمات السيبرانية الكبرى إلى مرحلة الوقاية والتنظيم المسبق، فالقانون الدولي الإنساني لم يُخلق ليصف الحروب بعد وقوعها، بل ليضع حدوداً لها قبل وقوع المأساة.
والحرب التي لا تُرى قد تكون أكثر تدميراً؛ لأن أخطر ما في الحرب السيبرانية أنها حرب قد لا نراها، فلا دخان في السماء، ولا صفارات إنذار بالضرورة، ولا جيوش تعبر الحدود، لكن آثارها قد تصل إلى كل منزل، وقد يستيقظ الناس ليجدوا أن الكهرباء لا تعمل، والمياه لا تصل، والمستشفى عاجز عن تشغيل أنظمته، والمصرف متوقف، والاتصالات معطلة، وفي تلك اللحظة، لن يكون السؤال المطروح هل أطلق أحدهم رصاصة؟ بل سيكون السؤال هل استطاع القانون أن يحمي الإنسان قبل أن تصل الحرب إليه من خلال الشاشة؟ ومستقبل القانون الدولي الإنساني سيتحدد، إلى حد كبير، بقدرته على الإجابة عن هذا السؤال.
فالحرب تتغير، والأسلحة تتغير، والفضاء الذي تجري فيه الصراعات يتغير، لكن شيئاً واحداً يجب ألا يتغير، وهو أن الإنسان يجب أن يبقى هو الخط الأحمر الذي لا تستطيع التكنولوجيا ولا الحرب تجاوزه، ومن هنا فإن تنظيم الهجمات السيبرانية في النزاعات المسلحة لم يعد خياراً قانونياً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة إنسانية عاجلة، فإذا كان القرن العشرون قد علّم العالم كيف يضع قيوداً على القنبلة، فإن القرن الحادي والعشرين مطالب بأن يتعلم كيف يضع قيوداً على الشيفرة التي يمكن أن تشل حياة الملايين، وهذه هي المعركة القانونية القادمة، التي تتمثل بمنع تحول الفضاء السيبراني من ساحة للتكنولوجيا إلى ساحة بلا حدود للحرب.












































